أفكار ومواقف

ثقافة السلام وفشل كوشنير

تقوم ثقافة السلام على مبدأين أساسين هما: تحقيق مبدأ العدالة ومبدأ الإقناع لأطراف اي نزاع مهما كان حجمه او موضوعه، وهذا ما افتقرت اليه مبادرة كوشنير وأصبحت فارغة من اي مضمون له قيمة في موضوع بناء السلام العادل لقضية الشعب الفلسطيني، وأصبحت صفقة القرن الاميركية خيبة قرن عالمية في ايجاد حل عادل لقضية شعب فلسطين، و تعتبر ثقافة السلام من اهم المبادئ الحضارية العالمية وهي الخطوة الاولى لحل النزاعات الدولية.
الأردن صاحب الدور الأبرز في منطقة الشرق الاوسط الذي يدعو ويعمل لترسيخ هذه المبادئ بين دول وشعوب المنطقة والعالم، وتحظى طروحات الملك عبدالله الثاني في العديد من المناسبات واللقاءات بأهمية بالغة ومقنعة على كافة المستويات، لانه يركز فيها على مبادئ التعاون والتحاور والوئام والتسامح وترسيخ مبادئ العدالة وحقوق الانسان للشعوب المقهورة والمضطهدة واللاجئة في العالم، وخاصة التي تم اغتصاب حقوقها الوطنية بالقوة والقهر وعلى رأس هذه الشعوب الشعب العربي الفلسطيني الشقيق الذي ما تزال حقوقه الوطنية ناقصة السيادة من بين مختلف ابناء البشر، وهذا هو السبب الاول والأخير في فشل كوشنير الغائب كليا عن أبعاد وجذور وعمق قضية شعب فلسطين ومقدساتها.
الأردن يدعو في كل المناسبات الى نهج عالمي متطور في حوارات بناءة راقية المستوى تليق بالإنسان وحضارته، ويركز على حوار الثقافات وتبادلها ونبذ الكراهية وتوظيف الإبداعات المختلفة في نماذج الفكر والابداع الخلاق وتطوير السلوك الإنساني وفق هذه الثقافات وانعكاسها على تحقيق الامن والسلام الإقليمي والدولي، وعلى رأس ذلك العدالة في حل قضية الشعب الفلسطيني.
إن اهم مقاييس الإبداع والتحضر التي اجمع عليها علماء الحضارة الإنسانية والذي يحقق السلام بين الامم والشعوب، هو مدى قدرة ثقافة إنسانية معينة على التأثير الإيجابي في ثقافات الأمم والشعوب الأخرى وقدرته على ابتداع اسهل واقصر واسرع الوسائل للوصول والتأثير إيجابيا في المجتمعات العالمية وحل القضايا والصراعات التي تعاني منها واعطائها قيما إيجابية مضافة الى حضاراتها وهذا ما تجاهلته خطة كوشنير بحق الشعب الفلسطيني.
إن تقارب الثقافات المعاصرة، وكذلك تأسيس وتحديث علاقات الحوار والتكامل والمحبة بين الأديان وخاصة التوحيدية منها والتي لديها الكثير، ما يجمعها ولا يفرقها او يذهب بها الى صرعات وأيديولوجيات التطرف والإرهاب، وهو ما آلت اليه المفاهيم الخاطئة والمجتَزَأة لبعض المفاهيم الدينية التي يعتمدها الإرهابيون من كافة الاديان لتكوين مرجعياتهم في الفتاوى والاستقطاب والتجنيد للشباب، وخاصة ممن هم في مقتبل العمر ليكونوا رأس حربة ووقودا لصراعات سياسية ومصلحية تحت غطاء الاديان، وهم في الحقيقة ابعد ما يكونوا عن مبادئ وسماحة الاديان كافة، بفتاويهم الخارجة عن القيم الدينية والإنسانية وان افتقار مبادرة القرن لأبسط قواعد العدالة والإقناع يصب في مصلحة وتغذية ثقافة التطرف والإرهاب من حيث يدري اولا يدري السيد كوشنير ويعزز ثقافة الحروب مقابل ثقافة السلام في الشرق الاوسط.
ان الرؤية ذات الأبعاد العميقة في حوار الثقافات ووحدة جوهر الأديان وتكامل الحضارات الإنسانية ونبذ الكراهة بين الشعوب وتحقيق العدالة بينها في قضاياها الوطنية، والتعاون في التنمية الاقتصادية ومواجهة التطرف والإرهاب وبناء ثقافة السلام ومقاومة ثقافة الحروب هي الانجع في مواجهة التطرف والكراهية والإرهاب.
الأردن كبير في رسالته وعطائه، ويمكن ان يلعب دورا تنويريا عالميا في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها العلاقات الدولية والمجتمعات الانسانية في صراعات عسكرية وازمات سياسية واقتصادية واجتماعية، وكان خطاب الملك الأخير في سنغافورة في مؤتمر مجتمعات متماسكة يشخص الحالة ويقدم الحلول العلاجية، واهمها تبادل وترسيخ تعاون وحوار الثقافات، وتعميق الفكر الإنساني لخلق عالم اكثر تقاربا وأمنا وسلاما وعدالة للأمم والشعوب، وعلى رأسها حل عادل للقضية الفلسطينية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock