;
أفكار ومواقف

ثقافة العجز

في كانون الثاني من العام 2003، حقق العرب اختراقا قل نظيره، ارتقى إلى مستوى الثأر من عدوتنا الولايات المتحدة التي لم تعدم وسيلة لإلحاق المهانة بنا، إن بطريقة غير مباشرة عبر إسرائيل أو بطريقة مباشرة منذ حرب الخليج الثانية في العام 1991 وصولا إلى احتلال العراق في العام 2003. وذاك الاختراق والثأر لم يكن سوى اختيار واحدة من أكثر الدول العربية إمعانا في انتهاك حقوق الإنسان، رئيسة للجنة الدولية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، والتي كان يتوجب عليها في ظل هذه الرئاسة تقويم أوضاع حقوق الإنسان في العالم!


العديد من كتابنا ومثقفينا اعتبروا اختيار تلك الدولة الشقيقة آنذاك نصرا، لربما مؤزرا، طالما أنه أغاظ الولايات المتحدة التي لم تأل جهدا لإعاقة العملية، غير أنها فشلت و”مرغ رأسها بالتراب” نتيجة تكاتف جهود دول عربية مع أخرى غير عربية. لكن الحقيقة أن أهمية هذا النصر كما تتجسد على أرض الواقع تبدو في اختزالها قضيتين اساسيتين، وعلى درجة قصوى من الخطورة بالنسبة لنا نحن العرب والمسلمين؛ أولاهما أسلوب “المواجهة” مع العدو، فيما تتمثل القضية الثانية في الثمن الذي نظهر استعدادنا لتقديمه في هكذا “مواجهة”.


فعلى صعيد ما نسميه ادعاءً أنه “مواجهة”، يبدو التوصيف الحقيقي والأدق لثأرنا لكرامتنا الجريحة بهذا الاسلوب هو أننا “نناكف العدو” ولا نواجهه، والدليل الذي لا يقبل أي جدل على ذلك هو استعدادنا لدفع ثمن أكثر من باهظ لقاء هذه المواجهة-المناكفة، عماده ليس فقط إسباغ الشرعية على كل الاضطهاد الذي مارسته بحقنا الأنظمة الثورية على مدى عقود، بل ومنح المشروعية كاملة أيضا –شئنا ذلك أم أبينا- لما لا ننفك نتحدث عنها إدانة وشجبا، ألا وهي معايير الغرب المزدوجة في التعامل مع قضايانا العربية والإسلامية! فعندما نرتضي من حكامنا الاضطهاد والديكتاتورية، يكون الغرب بتعامله معنا بذات الاسلوب منسجما مع رغباتنا المازوشية قبل عقده السادية، أو ما نسميه “معايير مزدوجة”، بل إن هذه الازدواجية تنتفي تماما، ويغدو المعيار واحدا هو ما نرتضيه نحن لأنفسنا، أيا من كان ممارس الاضطهاد بحقنا!


لكن أبطال “حروب المناكفة” هذه، والذين يخوضون معاركهم في مؤتمرات ولقاءات جماهيرية للتصفيق والهتاف، تحت مسمى التضامن مع الأوطان التي تم اختزالها في بضعة أشخاص يمثلون القيادة “الملهمة!”، هؤلاء الأبطال ليسوا مازوشيين بالتأكيد، كما لا يستطيع أي كان التشكيك في انتماء أكثريتهم الوطني أو العروبي أو الإسلامي أو جميعها! وبالتالي، فلا يمكن لنا تفسير قبولهم بما هو أقل من “خيار شمشون” إلا بأنهم يعبرون، من حيث دَروا أو لم يدروا، عما يمكن وصفه بـ”ثقافة العجز”، التي يمكن اختصارها بخيار أوحد لا ثاني له، هو “وقفة عز!” ليس إلا في مواجهة العدو، إلى حين أن يأتي الطوفان فيذهب بالوطن والمواطن؛ إذ إننا مشلولو التفكير فلا نجد طريقا أخرى للخلاص!


“ثقافة العجز” هذه قادرة على تفسير الكثير من مواقفنا التي تبدو ملغزة وعصية على الفهم حتى بالنسبة لنا نحن قبل غيرنا. ودعونا هنا نستشهد بمثال العمليات الانتحارية التي تستهدف عراقيين أبرياء، ليس لهم من ذنب إلا انتماؤهم إلى طائفة ما، أو حتى التواجد في منطقة تسكنها غالبية من طائفة ما.


فقبل أن يقرر الإرهابيون تصدير إجرامهم إلينا، وبات الضحايا وأشلاؤهم ودماؤهم تخصنا، كان بيننا من يتفهم قتل المدنيين العراقيين، بل ويدافع عن ذلك في المجالس الخاصة! أما لماذا تغير الوضع؟ فلأن القاعدة الذهبية لثقافة العجز هي أن نقاتل حتى آخر جندي أو مواطن طالما أنه ليس أنا أو قريبي أو في أحسن الظروف ليس من مواطني بلدي. ووفق هذه القاعدة يمكن لنا فهم مواقف من يقيم الدنيا إن تم توقيفه لساعات، لكنه يعتبرها خيانة وركوبا لموجة العدوان الأميركي-الصهيوني مجرد المطالبة بصوت عال بإطلاق سراح من نشؤوا وشابوا في غياهب السجون!


[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock