أفكار ومواقف

ثقافة الموت: بين التكفير و”الدعشنة”

في مساره المأساوي حالياً، والذي قد يحدد مستقبله بشكل حاسم أيضاً، يبدو العالم العربي محكوماً، وفق معيار ارتفاع الصوت خصوصاً، بصراع تيارين رئيسين، بغض النظر عن حجم كل منهما، هما: تيار التكفير، وتيار “الدعشنة”. ورغم القول بـ”صراع” هذين التيارين، لكن الحقيقة -ابتداء- أن وجود كل واحد منهما هو الشرط الأول والكافي لوجود الآخر. أما الأهم من ذلك، فهو التقاء هذين التيارين حتماً في النتيجة النهائية، وهي تعزيز “ثقافة الموت”، وشرعنتها بشكل مطلق.
طبعاً، وفي عهد “داعش” تحديداً، صار مفروغاً منه أن “التكفير” يعني استحلال دماء “الكفرة”، والذين هم المخالفون لأدق التفاصيل في فهم الجماعات “التكفيرية” للدين، حتى إن التقوا (الكفرة المزعومون) معها في كل الأصول وكثير مما دونها. لكن، وعلى الطرف الآخر، ماذا يعني استسهال كثير من “العلمانيين” العرب؛ ادعوا الليبرالية أم الانتماء لليسار والقومية العربية، إلقاء تُهم “الداعشية” على كل مخالفيهم، وفي أي شأن كان؟ أليس استحلال دم هؤلاء المخالفين أيضاً، والاحتفال بإزهاق أرواحهم؟ ومن ثم، ومع انعدام أي فاصل بين التيارين على صعيد جوهر الفكر ونتائجه القاتلة، يكون الخلاف الوحيد بينهما -إضافة إلى مبرر القتل- هو التمكن فحسب؛ في أي مكان أو زمان يتيحان الفرصة.
هكذا، فكما نجد من يؤيد جرائم “داعش” بدعوى أن ضحاياه “كفرة” (وهم الأغلبية)، إن لم يكونوا “روافض” (شيعة)، نجد أيضاً مطالبين بـ”الدولة المدنية” -التي يفترض، فلا تعريف واضح لها، أنها تعني احترام حقوق الإنسان وسواها من ركائز الديمقراطية- لا يخجلون من إعلان تأييدهم للقتل الجماعي الذي يمارسه بشار الأسد وروسيا وإيران بحق السوريين، أطفالاً ونساء ورجالاً، وذريعتهم أن هؤلاء “دواعش”، بما يبرر الالتقاء تطابقاً تاماً بالنتيجة مع “داعش” في إهدار دم كل المخالفين، تقرباً للدولة المدنية! ومثل ذلك ينطبق على العراق، حيث كانت “القاعدة” مقاومة عند البعض، بما يبرر كل جرائمها، ثم -وبعد تحول ولاء هؤلاء لإيران- قرروا أن كل العراقيين المضطهدين من نظام الملالي محض “دواعش” مباح بل وواجب استئصالهم!
إزاء ذلك، سيكون الأخطر، بداهة، هو انقسام المجتمعات بين هذين التيارين، كما قد يبدو حالياً من الملاحظة الشكلية؛ إذ النتيجة التلقائية لهذا الأمر ليست سوى الوقوع أسرى دائرة مفرغة من الموت والدمار، مع اختلاف هوية القاتل فحسب، وبالتالي اختلاف ذريعته لقتل مخالفيه: كفرة أو “دواعش”!
لكن على سوداوية الواقع، فإنه يمكن المجادلة -ليس من باب التمني والتفاؤل العاجز، بل من باب العزم على الخروج من دائرة الموت تلك- أن قواعد هذين التيارين؛ المكفر و”المدعشن”، هي في غالبيتها العظمى نتاج رد فعل “احتجاجي” على المواقف المتشددة والمتطرفة والإرهابية للتيار المقابل. أي إنه مع التوسع في التكفير أو إلقاء تهم الانتماء فكرياً على الأقل لـ”داعش”، صارت أغلبية المجتمعات مضطرة للاختيار بين أحد هذين الفريقين، وإن لم تؤمن بأسس ومنطلقات خطابيهما المتطرفين أو الإرهابيين. ومن الواضح تماماً أن حالة الاستقطاب هذه بين قتلة وقتلة، لم تكن لتظهر لولا غياب “البديل الثالث” أو للدقة ضعف صوته (بافتراض أن التكفير و”الدعشنة” بديلان مختلفان، مع أنهما ليسا كذلك). وهو البديل القائم على الاحترام الحقيقي لمبادئ المواطنة داخل الدولة، ومبادئ الإنسانية والعدالة والحرية في كل مكان؛ فلا أغلبيات وأقليات، ولا إعمال لمبدأ “قتل البشر وجهة نظر” بحسب هوية الجلاد.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock