أفكار ومواقف

ثقافة شقية وزائفة

يندر أن نجد أحدا يعترف صراحة بضحالة معرفته وثقافته، وقلة اطلاعه على سياق الأحداث، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو غيرها.
إنها عقدة الكمال، والبحث عن النموذج الإنساني الأرقى. لكن المشكلة هي أننا نبحث عنه داخل أنفسنا فقط، غير متعدين لجدران الذات، وكأنما نعتبر أنه إن لم يوجد هذا المثال فينا فإنه لن يكون أبدا.
تلك عقدة نقص كبيرة نعبر عنها بكثير من الكذب والتدليس والغش، لكي نكون أقرب إلى الأنموذج الذي نريده لأنفسنا. لكننا لا نتعب في تحقيقه، سوى بالخداع.
في سياق حياتنا اليومية، ندين الخداع والكذب، غير أننا نمارسهما عن طيب خاطر عندما نريد تزويق صورنا أمام الآخرين.
نرفض أن تكون ذاكرة الآخرين انتقائية قادرة على اختيار الصور التي تصب في مصلحة آرائهم فقط، لكن ذاكرتنا بالذات تمارس التهويم نفسه، وترفض أن تكون، هي الأخرى، منساقة وراء أمثلة لا تعزز قناعاتنا وآرائنا.
حتى الآراء العلمية والسياقات التاريخية التي من المفترض أن تمتلك قاعدة صواب أكثر ثباتا، فإن لنا المقدرة على خلخلة ثباتها والتشكيك فيها، ما دمنا نمتلك دماغا بشريا قادرا على استيعاب قاعدة الشك الديكارتي، واستخدامها في أي موضع نريد أن نشتت الانتباه عنه.
تلك ثقافة، ولكنها زائفة!
ثقافة تنطلق من عقل بشري لا بأس بمقدرته، ولكن يتم توظيفه في تزوير الحقائق، وقلب المفاهيم، وإضفاء الصدقية على الخداع، لكي نظل نعيش في كذبة كبيرة اخترعناها عن أنفسنا، وهي أن لنا مبادئ لا نحيد عنها، وإذا ما حصل وتجاوزنا تلك المبادئ، فإن ذلك ليس لعيب فينا، بل بسبب معيقات خارجة عن الذات لا نتحمل وزرها!
ربما تكون هذه الآراء من أسوأ الأشكال التبريرية التي يتقصاها العقل البشري، لكي يحتفظ بـ”ماء وجهه”، ويحافظ على “لياقته” في الكذب والتزييف، لكي لا يفضح دخيلته أمام الآخرين!
في محصلته النهائية، قد يكون الإنسان مجموعة من المتناقضات، وقد يواجه أشكالا عديدة من الاختبارات، ولكن الثابت، هو أن الانسان الحقيقي قادر على فرز نتائج تلك الاختبارات، وفهرسة مخرجاتها، ووضعها كدليل له في مشواره الحياتي، تكون أقرب إلى الهدي والمبادئ والأفكار النيرة، وليست التبريرية العقيمة.
هذا الأمر لا بد أن يحدث مع الإنسان الحقيقي الذي يريد أن يرى حياته خالية من الخداع والكذب، ولكن الأنموذج الإنساني الآخر، لا يمكن له أن يسلك هذه الطريق، لذلك، فهو سيختار فهرسة المخرجات بما يلائم العقلية التبريرية التي عززها في داخله على مدى سنوات حياته، وسيكون قادرا عندها على إدانة كل ما هو خارج ذاته، من غير أن يخدش صوابه العقلي، الذي انبنت عليه جميع أفعاله.
انها الثقافة الزائفة، أو الثقافة الشقية التي تبيح لنا فعل أي شيء، وتزيين تلك الأفعال بالتبريرات التي لا تنتهي!

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock