ترجمات

ثورات كوفيد: موجة الاضطرابات الجديدة في أوروبا

روس كلارك* – (ذا سبيكتيتور) 27/11/2021

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

نظرًا لقدرة “كوفيد -19” على استغفال الجميع وجعلهم يبدون كالحمقى، ليس من العدل تمامًا إفراد مقال رأي كتبته كريستينا باغل ومارتن ماكي، عضوا لجنة “الحكيم المستقل” المعيّنة ذاتيًا في 7 تشرين الأول (أكتوبر). لكن المقال يلخص الموقف الذي كان سائداً قبل سبعة أسابيع فقط. كتبا: “إن إنجلترا، وليس للمرة الأولى، هي البلد الوحيد الذي يختلف ويتفرد عن أوروبا”. وكانت إنجلترا قد تخلت بشكل متهور عن القيود الخاصة بـ”كوفيد” في تموز (يوليو)، معتمدة على اللقاحات وحدها لإبقاء البلد مفتوحاً. وفي المقابل، كان جيراننا الأوروبيون يستخدمون بشكل معقول “مجموعة خفيفة نسبيًا من الإجراءات الإضافية”، مثل جوازات سفر اللقاح، لإبقاء الإصابات أقل بكثير من تلك التي تشهدها إنجلترا. وقال الكاتبان: “إنهم يُظهرون أن هناك طريقة لفتح البلد مع إبقاء الإصابات منخفضة… وهي تعمل. وكان ينبغي أن نفعل ذلك نحن أيضاً”.
لكن هذا لم يعد الآن ذلك التحليل الذكي الذي كانه. أصبح البر الرئيسي لأوروبا مرة أخرى بؤرة الوباء. وقد عادت النمسا إلى حالة الإغلاق، وتواجه العديد من البلدان مقترحات لفرض التطعيم الإجباري. وفي النمسا، تضاعف عدد الإصابات الجديدة كل أسبوعين منذ أوائل تشرين الأول (أكتوبر) والوفيات اليومية فيها أعلى مما كانت عليه خلال الموجة الأولى من “كوفيد” في ربيع العام الماضي. وفي هولندا، حيث انتهى الأمر بالشرطة إلى إطلاق النار على المتظاهرين المناهضين للإغلاق في روتردام، كان ارتفاع الإصابات في الخريف حادًا كما هو الحال في النمسا. وتلتحق الأعداد في ألمانيا بالركب بسرعة. وتقدم السويد أماكن في المستشفيات للرومانيين الذين لا يستطيع نظام الرعاية الصحية لديهم التعامل مع الزيادة الحادة في الإصابات.
اللافت في هذه الموجة الجديدة هو السرعة التي تحولت بها إلى حرب ثقافية حول التطعيم. في 8 تشرين الثاني (نوفمبر)، أعلن المستشار النمساوي الجديد، ألكسندر شالنبرغ، عن خطة لتفعيل استخدام جواز سفر اللقاح على غرار الطريقة المطبقة مسبقاً في فرنسا والعديد من البلدان الأخرى. وبعد أربعة أيام، عبَر خطًا لم يجرؤ أي زعيم أوروبي آخر على تجاوزه: أعلن حجراً حصريًا على غير الملقحين، ليصبح ذلك ساريًا اعتبارًا من يوم الاثنين، 16 تشرين الثاني (نوفمبر). وبعد أسبوع من ذلك، كانت البلاد في حالة إغلاق كامل. ثم توصل شالنبرغ إلى وسيلة ضغط كان قد رفضها سلفه الشاب، سيباستيان كورتس، الذي أُقيل من منصبه في تشرين الأول (أكتوبر) بسبب مزاعم بتلقي الرشوة: التطعيم الإجباري، مع التهديد بفرض غرامة قدرها 3.600 يورو على الرافضين. وكان حتى شي جين بينغ قد رفض فكرة التطعيم الإجباري ضد “كوفيد” عندما غازلت العديد من الإدارات الصينية الإقليمية الفكرة في الربيع. وكانت إندونيسيا، وميكرونيزيا وتركمانستان هي الدول الوحيدة، حتى الآن، التي قامت بفرض تلقي لقاحات “كوفيد” للبالغين.
وقد اكتسب شالنبرغ، الموظف الروتيني الذي كان من الممكن أن تمر مستشاريته من دون أن يلاحظها أحد من العالم الخارجي، شهرة فورية، والتي من المؤكد أنه توقعها. في غضون ساعات، خرج 35.000 شخص إلى شوارع فيينا، وتم تنظيم احتجاجات مشابهة في جميع أنحاء أوروبا القارية حيث ناقشت حكوماتها الفكرة أيضًا. وفي بروكسل، تم تفريق حشد من 35.000 شخص بواسطة خراطيم المياه، ولكن ليس قبل أن يدمروا سيارة للشرطة ويلقوا بأشياء على نوافذ المفوضية الأوروبية.
وفي الحقيقة، قيل الكثير عن تورط “حزب الحرية” اليميني في النمسا، الذي كان يضغط ضد التطعيم منذ أشهر والذي كان زعيمه، هربرت كيكل، سيقود احتجاجات نهاية الأسبوع الماضي بنفسه لو لم تكن نتيجة اختباره لـ”كوفيد” إيجابية ووضع نفسه في الحجر الصحي الطوعي. ومع ذلك، فإن تصوير حركة النمسا -وأوروبا- المناهضة للتطعيم على أنها ظاهرة يمينية يخطئ الهدف.
في النمسا يعارض التطعيم الإجباري أيضًا حزب “الشعب، الحرية، والحقوق”، الذي تشكَّل في هذا العام خصيصاً ليدفع ضد التدابير الخاصة بـ”كوفيد”. وفي الانتخابات الإقليمية التي أجريت في النمسا العليا في أيلول (سبتمبر)، فاز الحزب بنسبة 6.4 في المائة من الأصوات، وحصل على مقاعد في البرلمان الإقليمي. ولكن لا يمكن تصنيفه كحزب يميني: فقد كشف تحليل أنه في حين أن 30 في المائة من مؤيديه كانوا قد صوتوا في السابق لأحزاب اليمين المتطرف، فإن 30 في المائة صوتوا لأحزاب محافظة معتدلة، و16 في المائة للأحزاب الاشتراكية و12 في المائة للخضر.
لقد اجتاحت الحركة الأوروبية المناهضة للمطاعيم الليبرتاريين على اليمين وأنواع البيئيين مثل حركة “أمنا الأرض” على اليسار. وفي حين حدد البعض وجود صلة بين التردد في أخذ اللقاح في ألمانيا الشرقية القديمة وتركيزات من الناخبين المؤيدين لحزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني، كانت ألمانيا منذ فترة طويلة مرتعًا للطب البديل، حيث يقدم ثلاثة أرباع الأطباء الألمان مثل هذه العلاجات للأشخاص الذين يفضلونها على الأدوية التي اجتازت التجارب السريرية. ولا ينبغي أن يكون مفاجئًا أن تكون أقلية كبيرة من الألمان قد رفضت تلقي لقاحات كوفيد أيضًا. ومع ذلك، ثمة شيء واحد مؤكد: أن فرض التطعيم بموجب القانون سيعزز الدعم للأحزاب الصغيرة التي تستمد دعمها، مثل “حزب البديل من أجل ألمانيا”، من الأشخاص الذين يشعرون بأنهم دُفعوا إلى هامش المجتمع.
يناسب الكثيرين في الحكومة التقليل من شأن رافضي اللقاح وازدراؤهم باعتبارهم أغبياء غسل أدمغتهم المناهضون للتطعيم. وتبريرًا لقراره بطرد موظفي دور الرعاية غير الملقحين، أشار وزير الصحة البريطانية، ساجد جافيد، إلى أن هؤلاء كانوا “يستمعون إلى هذه النظريات السخيفة على الإنترنت أو على وسائل التواصل الاجتماعي”. ولكن، هل كل الأشخاص الذين رفضوا اللقاح يندرجون حقًا في هذه الفئة؟ كشفت دراسة أجرتها جامعة إرفورت أن 80 في المائة من أولئك الذين رفضوا التطعيم قالوا إنهم ليس لديهم اعتراض جوهري على اللقاح؛ لقد أرادوا فقط ما يكفي من الوقت لتقييم المخاطر والفوائد.
بالنظر إلى أن حكومتهم قصرت إعطاء لقاح “أسترا-زينيكا” على الأشخاص في الستين من العمر فصاعداً على أساس اضطراب تخثر نادر في الدم، فليس من غير المعقول أن يشعر بعض الألمان بالقلق من أخذ اللقاحات التي تم تطويرها بشكل أسرع بكثير من اللقاحات الأخرى. وتعزز نتائج “إرفورت” دراسة كان قد أجراها مكتب الإحصاء الوطني (ONS)، والتي وجدت أن 8 في المائة فقط ممن رفضوا حقنة “كوفيد” في بريطانيا فعلوا ذلك بسبب اعتراضهم على اللقاحات بشكل عام؛ كان معظمهم ببساطة قلقين بشأن الآثار الجانبية المحتملة. ويمكنك أن تجادل بأنهم اتخذوا قرارًا خاطئًا -مقارنة بالمخاطر، سيكون من الأفضل بكثير الحصول على اللقاح- لكن هذا لا يجعلهم ضحايا للدعاية المناهضة للتطعيم.
إن الفكرة القائلة إنه يمكن إلقاء اللوم على اليمين المتطرف في الإقبال المنخفض على تلقي اللقاحات في بعض البلدان الأوروبية تقوضه الإحصائيات التي تظهر أن التردد في أخذ اللقاحات أعلى بكثير بين بعض المجموعات العرقية. في شباط (فبراير)، وجد مكتب الإحصاء الوطني أن 44 في المائة من البالغين البريطانيين “السود أو السود البريطانيين” مترددون، مقارنة بـ8 في المائة فقط من البالغين البيض. ومن الصعب تخيُّل أن يكون الكثيرون من هؤلاء قد تأثروا باليمين المتطرف.
كما أنه لا حاجة -بطبيعة الحال- إلى أن تكون قلقاً من لقاحات “كوفيد” حتى تعارِض مبدأ التطعيم الإجباري. إن فكرة فرض أي حكومة علاجاً طبياً على المواطنين هي فكرة مرفوضة بشدة بالنسبة للعديد ممن اختاروا تلقي التطعيم أنفسهم. ويتردد صدى هذه الحجة بشكل خاص في ألمانيا والنمسا، حيث جعل كل من النازيين والنظام الشيوعي لألمانيا الشرقية التطعيم إلزاميًا في بعض الحالات. ناهيك عن الذكريات الحديثة في السويد، حيث أدى فرض اللقاحات الإجبارية المضادة لانفلونزا الخنازير إلى عدد كبير من الدعاوى القضائية التي رفعها أولئك الذين ادعوا لاحقًا أنهم تأذوا من اللقاح.
ثمة حجة نفعية مفادها بأنه عندما يتعلق الأمر بالتطعيم ضد الأمراض المعدية، فإنه يجب تعليق حقوق الفرد لصالح الكثرة. ومع ذلك، هناك فجوة كبيرة في هذه الحجة عندما يتعلق الأمر بـ”كوفيد”: بينما أثبتت اللقاحات المستخدمة حتى الآن أنها فعالة للغاية في الوقاية من الإصابة الخطيرة والوفاة، فإنها تظل أقل فعالية في الوقاية من العدوى. وكما أشير في رسالة نشرها في مجلة “لانسيت” الأسبوع الماضي جونتر كامبف، عالم الأوبئة في كلية غرايفسفالد الطبية في ألمانيا، فإن 55 في المائة من إصابات “كوفيد” الأخيرة بين الألمان الذين تزيد أعمارهم على 60 عامًا كانت بين أفراد تم تطعيمهم بالكامل. وقد يقلل التطعيم الإجباري، أو حظر غير الملقحين، من المخاطر ويقلل من حالات الاستشفاء في المستشفى والوفيات، لكن هذه الإجراءات ستخرج بالكاد كل المخاطر من الدورة -سيظل الفيروس ينتشر بين أعداد كبيرة من الناس. وكان كامف ينتقد بشكل خاص أولئك الناس الذين يؤكدون بتكاسل أننا الآن في “جائحة غير الملقحين”؛ وهو ما قال إنه غير صحيح في الأساس.
ينبغي أن يقال شيء أيضاً عن علامة مهمة أخرى -مفاجئة- للرأي المناهض للتطعيم: تلك التي أعربت عنها منظمة الصحة العالمية (WHO) ضد التطعيمات المعززة. في وقت غير بعيد هو آب (أغسطس)، أصدرت المنظمة بيانًا يعارض خطط بريطانيا ودول غربية أخرى كانت تخطط مسبقاً لإعطاء جرعات ثالثة. وجاء في البيان أن “تقديم جرعات معززة لنسبة كبيرة من السكان في حالة عدم تلقي الكثير منهم حتى للجرعة الأولى يقوض مبدأ العدالة الوطنية والعالمية”. وبحلول أيلول (سبتمبر)، بدأت منظمة الصحة العالمية في تغيير رأيها. والآن بعد أن عاد الفيروس بقوة وبنية انتقام إلى أوروبا، لم نعد نسمع الكثير من هذه الحجة الآن. على العكس من ذلك، لم نعد نسمع سوى شكاوى من أن البلدان لا تتقدم بالسرعة الكافية في برامجها للجرعات المعزِّزة.
والجرعات المعززة هي أحد المجالات التي تتقدم فيها بريطانيا. وقد تحدى بوريس جونسون بعض مستشاريه العلميين بإزالة قيود “كوفيد” في تموز “يوليو” وتحدى منظمة الصحة العالمية في التخطيط لبرنامج التعزيز. ومع ذلك، فإن قراره بالاعتماد على اللقاحات بدلاً من جوازات سفر اللقاح يبدو في الوقت الحالي مبررًا، حيث تدخل بريطانيا فصل الشتاء وقد تلقى العديد من كبار السن جرعات اللقاح المعززة حديثًا.
سيكون من الحماقة التباهي في وقت مبكر جدًا، لكن سياسة جونسون المتمثلة في فتح المجتمع في الصيف -تعريض أولئك الذين رفضوا التطعيم ضد الفيروس لاحتمال الإصابة في وقت كانت فيه المستشفيات تحت ضغط ضئيل- قد تكون خطوة أفضل من الإبقاء على القيود، والتي نجحت في أوروبا فقط في تأخير قدوم موجة “كوفيد” أخرى حتى الخريف. ووجدت أحدث دراسة عن الأجسام المضادة لـ”مكتب الإحصاءات الوطني” في الأسبوع الذي بدأ في 1 تشرين الثاني (نوفمبر) أن 93 في المائة من البالغين في المملكة المتحدة كانوا يحملون أجسامًا مضادة لـ”كوفيد -19″، ما يشير إلى أن بريطانيا تتمتع بمستوى عالٍ من المناعة التي اكتسبت إما من خلال التطعيم أو الإصابة والشفاء من الفيروس.
قد يتضح أن المستويات المرتفعة نسبيًا من العدوى خلال الصيف وأوائل الخريف هي التي تدافع عنا ضد الزيادة التي نشهدها في الإصابات في أوروبا القارية -فضلاً عن الاضطرابات الجماهيرية المصاحبة لها. إننا بالفعل البلد المتفرد في أوروبا، وإنما ليس بطريقة سيئة بالضرورة.

*Ross Clark: كاتب بارز وكاتب عمود، والذي كتب، إلى جانب ثلاثة عقود مع “ذا سبيكتيتور”، في “الديلي تلغراف” و”ديلي ميل” والعديد من الصحف الأخرى. نشرت دار “كتب لوم” روايته الساخرة عن تغير المناخ “الإنكار، The Denial
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Covid revolts: Europe’s new wave of unrest

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock