;
أفكار ومواقف

ثورة البحرين وأصابع إيران


ولي عهد البحرين، الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، أعلن تفاؤله بأن الحوار الوطني الشامل سيكون نقطة التحول الحقيقي في تاريخ العمل السياسي البحريني، وهو ما قابلته المعارضة البحرينية بتفاؤل متبادل، مع الاطمئنان إلى أن ولي العهد الشاب والإصلاحي الذي عيّنه الملك محاوراً لها، بإمكانه التوصل إلى حل للأزمة، وبالتالي انخفضت وتيرة الاحتجاجات والمطالب التي كانت معلنة قبل أيام.


وعلى الرغم من أوجه الشبه الكثيرة بين ما يجري في البحرين وما جرى قبل ذلك في كل من تونس ومصر، فإن ثمة فروقات أساسية تتصل بطبيعة الحركة الاحتجاجية البحرينية المركّبة والأكثر تعقيداً، والتي تعتبر مزيجاً من احتجاج مطلبي معيشي وسياسي، يخالطه صراع مذهبي وأهلي داخلي، وآخر إقليمي على النفوذ ما بين دول الخليج من جهة وإيران من جهة أخرى.


الحركة الاحتجاجية في البحرين هي شكل من أشكال استمرار النزاع التاريخي بين العائلة المالكة التي تحكم البحرين منذ إعلان استقلالها في بداية سبعينيات القرن الماضي، والأكثرية “الشيعية” التي تقارب 70 % من السكان (أي نحو 725 ألف نسمة من أصل أكثر من مليون بقليل)، والتي تعتبر نفسها مهمشة ومضطهدة، ولا يفسح أمامها المجال لتولي المناصب السياسية، أو الوصول إلى وظائف الدولة، حسب زعمها.


وقد شهدت البحرين عدة محطات احتجاجية سابقة، أبرزها العام 1979 إثر انتصار الثورة الخمينية في إيران، وفي العام 1994 بعد بروز حركات احتجاجية شعبية طالبت بالإصلاح والمساواة في الحقوق والعودة إلى دستور 1973. ثم شهدت العلاقة بين السلطة والمواطنين الشيعة شيئاً من الهدوء مع تولي الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة الحكم العام 1999، وإطلاق مشروعه الإصلاحي، وإفراجه عن كل الموقوفين، والسماح للمعارضين السياسيين بالعودة إلى البحرين، ومنحه حرية التعبير عن الرأي، وتشكيل الجمعيات السياسية.


الحركة الاحتجاجية الحالية تطالب بـ”ملكية دستورية” تستمد سلطتها من الشعب، وبحكومة منتخبة من الشعب الذي يحق له محاسبتها. وتود المعارضة -بغالبيتها الشيعية- أن تكون رئاسة الحكومة للشيعة في البلد، لكي يصبح هناك توازن في التمثيل الشعبي لأهل البحرين، وهو ما يسميه البعض بـ”طائف بحريني” على غرار “اتفاق الطائف اللبناني”. كما تطالب المعارضة بـ”وقف عملية التجنيس”، والتي ترى أنها تهدف إلى تغيير التوازن الديموغرافي في البلد، إضافة إلى مطالب معيشية واقتصادية أخرى؛ مثل زيادة الأجور وتوفير فرص العمل، ولاسيما أن معدل البطالة بين الشيعة، الذين يرون أنهم الأكثر فقراً، يتجاوز الـ15 %، وترتفع هذه النسبة في أوساط الشباب أيضاً، وذلك وفق عدد من التقارير الدولية.


ومع أن المعارضة البحرينية تعلن رفضها أن تكون تابعة لأحد، أو أن تكون مرتبطة بأجندات خارجية، لكن السلطات الرسمية لا تقتنع بذلك، وخاصة في ظل تصريحات إيرانية سابقة وخطيرة بتبعية البحرين لإيران تاريخياً، وكذلك التنامي المتزايد للحراك الشيعي في منطقة الخليج، والمخاوف الكبيرة من امتداد “الانتفاضة الشيعية” البحرينية إلى دول مجاورة مثل السعودية، حيث تؤكد بعض الأرقام المتداولة وجود نحو مليونين من الشيعة في المنطقة الشرقية، يمثلون ما بين 10 و15 % من إجمالي عدد السكان، وهي المنطقة الغنية بالنفط، يضاف إلى ذلك أقلية شيعية -بعدد لا بأس به- في الكويت وقطر، وقد مارست هاتان الأقليتان حراكاً واضحاً في الأعوام الأخيرة، بعد التنامي المطرد للنفوذ الإيراني في المنطقة.


وهنا يكمن سرّ وقوف دول مجلس التعاون الخليجي بقوة إلى جانب السلطة البحرينية، إذ إن أي تغيير في الخريطة السياسية لمملكة البحرين قد تترتب عليه انعكاسات كبيرة على باقي الأقليات الشيعية المنتشرة في دول الخليج، ما قد يهدد الأنظمة الخليجية التي يفترض أن يشكل الاستقرار السياسي فيها عنصراً أساسياً في المحافظة على المصالح الاستراتيجية للقوى الدولية العظمى، في منطقة تشهد تحولات تاريخية من شأنها أن تغيّر وجه الشرق الأوسط القديم.


بالنتيجة، فإن أصابع إيران موجودة في الحراك البحريني، حتى لو لم يظهر ذلك بشكل ملموس بسبب الانشغال حالياً بالاحتجاجات الإصلاحية الداخلية، لكن أوجاع دول الخليج من التمدد الإيراني غير خافية على أحد.


[email protected]

تعليق واحد

  1. دول المواطنة
    سيدي الكريم ،
    ان القول بوجود اصابع ايرانية خلف الحركة الاحتجاجية البحرينية غير مقبول. و الاخطر من ذلك تشخيص العلاقة المفترضة بين ايران و المعارضة البحرينية على اسس مذهبية ، الأمر الذي يعني انه لولا السياق المذهبي لما كان في البحرين معارضة او مواطنون يطلبون اصلاحا.
    الدول العربية يا سيدي ، تقريبا بدون استثناء ، هي دول فئوية ، و الصورة الطائفية و المذهبية و المناطقية و العشائرية و غيرها ما هي الا تفصيل صغير في حقيقة كبيرة على امتداد هذا الوطن ، و هي الفئوية – عكس المواطنة.
    للأسف الشديد لم نطور في عالمنا العربي مفهوما للمواطنة ، ليس لأننا بشر من غير جنس البشر في دول العالم الأخرى ، بل لأن الفئوية تخدم الحكومات و اهل الحكم و تساعدهم في خلق تناقضات هامشية بين الناس تسهل السيطرة عليهم و تمدغهم باوصاف متنوعة تثير نزاعات متخيلة بينهم.
    في دول المواطنة لا فرق بين شيعي و سني أو مسلم و مسيحي ، و في دول المواطنة و فقط فيها يمكن حقيقة للمجتمع ان يتقدم و يفاضل بين الناس على اساس الكفاءة … فالوزير وزير لكفاءته ، و ليس لأنه شيعي او سني او لأنه شمالي او جنوبي.
    من التوصيفات الحديثة نسبيا و الأثيرة على قلب الامريكيين لمجتمعهم ، هو توصيف “Meritocracy” ، و الترجمة الاقرب ربما هي "حكم الكفاءة" ، و هي نتيجة حتمية و مباشرة ل ال "Democracy" أو "حكم الشعب". فخير الناس هو انفعهم للناس.
    ارجو من كتابنا الكرام الابتعاد عن التوصيفات المعلبة لمشاكلنا ، و المضي قدما في اعلاء شأن القيم السامية حقا كالمواطنة و المسائلة و صولا الى "حكم الكفاءات" الكفيل بالضرورة الى ايصالنا الى شاطئ الامان.
    و اقبل التحية

  2. كي نقطع اصابع ايران في البحرين
    استغرب ما اورده الكاتب اسامة الرنتيسي في عدد الغد يوم الاثنين 28-2-2011 حول ما اسماه ثورة البحرين !! وما اسماه الاصابع الايرانية وأوجه الاستغراب كثيرة :
    أولا : ان المطالبات التي يحملها المتظاهرون (العرب قبل كل شئ ) هي مجرد مطالب بالعمل بدستور استقلت على اساسة الدولة ولا تحمل بأي معنى من المعاني معنى الثورة أو الانقلاب.
    ثانيا: كون تلك المطالبات مبنية على دستور الاستقلال فان ذلك يعني الاستقلال وليس المطالبة بالتبعية لايران كما يلمح الكاتب.!!
    ثالثا:النظام الايراني هو نظام ديني ولم نسمع بأي مطالبات لها طابع ديني من قريب أو بعيد في الحركة البحرينية.!
    رابعا:لا ينبغي لمجرد أن المطالبين بالحقوق الدستورية شيعة أو سنة أن يتم الصاق تهمة التبعية الدينية لنظام ما قد يمثل ذلك المذهب في دولة ما أو جهة ما فذلك شبيه بما حاول اعلام النظام المصري اليائس الصاقه بشباب ميدان التحرير رغم أن بينهم شيوعيين وفنانين ومسيحيين الا أنه داوم على القول وتكرار أنهم يتبعون حماس في مرحلة من المراحل ثم الاخوان الامسلمين ثم عاد للقول بتبعيتم لامريكا التي تمدهم بوجبات الكنتاكي …!! ومشابه لما حاول ويحاول نظام القذافي الصاقه بالثوار (وفي ليبيا تصدق كلمة ثورة) بأنهم اتباع القاعدة وبن لادن. (( وبالتالي على الأنظمة ونُخَبها قراءة أحداث تونس جيداً، وعليها أن تعي دروس التجربة التونسية بكل تفاصيلها. فالدرس الأول من تونس يقول إنه يجب ألا يبقى الخيار المطروح على الشعوب محصوراً بين أنظمة علمانية فاسدة ومستبدة، أو حركات إسلامية أصولية، برامجها غامضة، والتجارب التي سيطرت فيها على الحكم لا تبشّر إلا بمزيد من الاستبداد والخوف)) بالمناسبة ما بين القوسين هو مما قال الكاتب اسامة الرنتيسي نفسه بمقالع بتاريخ 20-1-2011 بعنوان في البدء كانت النار فلم لا يطبق ذلك على البحرين.
    خامسا:لماذا اصرار البعض دائما على الصاق كل تحرك بالخارج السنا كشعب عربي بمقوماته التاريخة والجغرافية والحضارية لنا الحق بالثورة أو الاحتجاج او المطالبة بحقوقنا أم نحتاج دائما لمن يسوقنا من الخارج؟؟
    سادسا : كثيرا ما استغرب اصرار البعض من سياسيين وكتاب من محاولة دفع الشيعة العرب نحو ايران نعم اننا نحن بارائنا المشحونة بالايرانوفوبيا (التخوف من ايران) من نفعل ذلك اذ الاستمرار بهذه العقلية تعني ببساطة أن تكون ايران هي الملجأ لشيعة العرب لنيل حقوقهم متى كان لهم حقوق . للعلم فقط وكمثال على عدم أحقية التخوف من ايران أو التشيع فان اذربيجان هي دولة محاذية لايران و85% من سكانها هم من الشيعة ولم يشهد النظام العلماني فيها اي خطر من ايران الدينية بل على العكس من ذلك فان القومية الاذرية بدأت تنتشر بين الايرانيين من أصول اذرية.
    سابعا: للعلم فقط التشيع ليس سوى مذهب للعبادة كأي مذهب اخر وهو بالأصل غير قائم على تولي السلطة الا بوجود امام معصوم وعلى هذا اغلب الشيعة في العالم وعلى هذا اغلب شيعة العراق واغلب شيعة العرب في الجزيرة العربية وقبل الخميني كان هذا هو السائد في ايران كذلك الى ان جاء الخميني بنظرية الولي الفقيه.وللعلم فقط فان غالبية الشيعة العرب قوميوا الانتماء والتوجهوالشعور ودينيا لا يؤمنون بصحة نظرية الولي الفقيه التي يقوم على اساسها النظام الايراني .
    لذلك وعودة للشأن البحريني فمن الانصاف تناوله دون النظر الى المذهب الذي يتبعه المعارضون وبالاصح اغلبهم فعدا ذلك فاننا نرمي بالبحرين في احضان ايران كما رمينا العراق من قبل.وان اردنا كعرب قطع اصابع ايران من البحرين فلنستمع لصوت المعارضة بتجرد.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock