السلايدر الرئيسيترجمات

ثورة العالم العربي ضد الطائفية

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أنشال فوهرا* – (فورين بوليسي) 24/10/2019

للوهلة الأولى، تبدو الاحتجاجات الجماهيرية الأخيرة في لبنان والعراق مختلفة عن بعضها بعضا بشكل كبير. في العراق، كان معظم المحتجين من الشباب الغاضبين الذين ينتمون إلى الطبقة العاملة، والذين سريعاً ما يواجَهون بالعنف القاسي. وفي الأثناء، تميزت الاحتجاجات في لبنان بحس واضح لا تخطئه العين من الأناقة والروح الاحتفالية اللتين تميزان ذلك البلد، وكان المبادرون في معظمهم من الطبقات الاجتماعية العليا. ففي وسط بيروت، في نهاية الأسبوع قبل الماضي، ضم بحر المتظاهرين امرأة ترتدي نظارة شمسية عاكِسة ذات إطار أبيض مع كلبتها التي تدعى “بوسي”، وشاباً يلوح بالعلم اللبناني بينما يستلقي في حوض سباحة قابل للنفخ.
مع ذلك، وعلى الرغم من التناقض الصارخ في أشكال هذه الاحتجاجات، فإن المنتفضين في كلا البلدين متشابهون للغاية في واقع الأمر. فهم يواجهون العديد من المشاكل السياسية ذاتها ويطالبون في الأساس بالمطلب نفسه. إنهم يريدون سقوط النخب الحالية التي تعمل على خدمة مصالحها الخاصة فقط في بلديهم، ويطالبون بإجراء تغييرات كبيرة في النظم الدستورية الطائفية التي مكّنت هذه النخب. وقد لخص الرسالة آلاف اللبنانيين الذين كانوا يحتشدون مقابل البرلمان، ويصفقون معاً ويهتفون: “لصوص… لصوص… لصوص…”.
كانت الموجة الأخيرة من الاحتجاجات في لبنان قد بدأت في الحقيقة في كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي. في ذلك الوقت، كان البلد ما يزال بلا حكومة وطنية منذ الانتخابات التي كانت قد أجريت في أيار (مايو) السابق، وكانت الحياة اليومية تزداد سوءا بالنسبة لمعظم السكان. وخرج المتظاهرون الأوائل إلى الشوارع للشكوى من النقص المزمن في الكهرباء، وغياب الوظائف، وتصاعد الديون الوطنية التي وصلت ثالث أكبر مديونية في العالم كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، والتي كانت تعوق عمل الحكومة.
في ذلك الوقت، جادل المتشائمون من بينهم بأنه لن يتغير أي شيء في ظل الحكومة المقبلة -وكانوا على حق في الحقيقة. فمنذ توليها مقاليد الأمور في كانون الثاني (يناير)، لم تتمكن الحكومة الجديدة من تقليص العجز بما يكفي لإطلاق حزمة قروض بقيمة 11 مليار دولار من الدول الأوروبية. وقام سعد الحريري، رئيس الوزراء الموالي للغرب، بمحاولات متعددة لتحقيق بعض التوازن من خلال تقليص الفوائد الممنوحة لموظفي القطاع العام وقدامى المحاربين في الجيش، فقط ليواجَه بالإضرابات الجماهيرية وغيرها من أشكال المعارضة. وفي إجراء أخير يائس، اقترحت الحكومة فرض ضريبة على التبغ ورسوم يومية على مكالمات تطبيق “واتس-أب”. وكان هذا الاقتراح هو الذي أخرج الجماهير أخيراً إلى الشوارع.
ولكن، إذا كانت إجراءات التقشف هي الشرارة التي أشعلت الاحتجاجات، فإن لدى المتظاهرين الآن شكاوى أكبر بكثير في أذهانهم. تجني أماني شعيط، التي تعمل محاسِبة في مدرسة في بيروت، 700 دولار شهرياً وتدفعها جميعها -ما عدا 100 دولار- للإيجار وأغراض البقالة. وقالت إن السياسيين في بلدها فشلوا في خلق فرص العمل، لكنهم أنشؤوا إمبراطوريات تجارية لأنفسهم. وأضافت: “لن نغادر حتى نحقق مطالبنا، حتى تكون لدينا حكومة انتقالية تدعو إلى إجراء انتخابات. يجب أن تكون أول وظيفة للحكومة الجديدة هي استعادة أموالنا المسروقة من السياسيين الفاسدين”.
يقاسم المتظاهرون العراقيون نظراءهم اللبنانيين رأيهم في النخبة الحاكمة باعتبارها فاسدة وغير فعالة (ولو أنهم تعلموا أيضاً أن حكومتهم تكون سريعة في اللجوء إلى العنف لاستعادة النظام). ويعبّر أكرم عزب، الشاب البالغ من العمر 31 عاماً ووالد ابن وحيد في بغداد، والذي بدأ الاحتجاج في 2 تشرين الأول (أكتوبر)، عن مشاعر مماثلة لمشاعر اللبنانية شعيط. وقال إنه على الرغم من امتلاك بلاده رابع أكبر احتياطيات النفط في العالم، والذي يدر عائدات بمليارات الدولارات في السنة، فإنه ما يزال يعتمد في رزقه على المكاسب الضئيلة التي يجنيها من كشكه لبيع الخضروات. وقال إن السياسيين وضعوا الثروة الوطنية في جيوبهم. وأضاف: “بل إنهم أخذوا عربة بيع الخضار مني. وقد أصبحت مطلقاً لأنني كنتُ عاطلاً عن العمل. السياسيون يعطون أي عمل متاح لأتباعهم، وليس لنا”.”
وليس غضب شعيط وعزب بلا أساس. فالعديد من السياسيين في لبنان والعراق هم المستفيدون الماديون المباشرون من النظم الطائفية التي نشأت بعد الصراعات التي جرت في كلا البلدين. في لبنان، جلب اتفاق الطائف في العام 1989 الذي أنهى الحرب الأهلية في البلد السلام عن طريق تقسيم السلطة بين الفصائل المتحاربة. وبموجب الاتفاق، يكون رئيس البلد مسيحياً، ورئيس الوزراء مسلماً سُنياً، ورئيس مجلس النواب شيعياً، وهو ما يضمن بقاء السلطة في أيدي من هُم في الأساس زعماء طائفيون وأمراء حرب، مهما كانت نتيجة الانتخابات التي تلت ذلك. كما تم تقسيم الثروة والموارد الوطنية على أسس طائفية، مع عدم وجود مصلحة لأي طرف في زعزعة الوضع الراهن.
بعد الغزو الأميركي في العام 2003، استعار العراق من لبنان ليصنع نظام المحاصصة الطائفية، أو التوازن الطائفي، الخاص به. هناك، يتم تقاسم السلطة بالمثل بين النخبة الحاكمة من الشيعة والسنة والأكراد. ونتيجة لذلك، فإنه في حين أن الانتخابات يمكن أن تحول ميزان القوى، فإنها لا تفعل الكثير لتغيير وجوه أولئك الذين يخوضونها، من أي طائفة أو فصيل. ونتيجة لذلك، كما يقول النقاد، ليس هناك أي تغيير حقيقي بالنسبة للجمهور -حيث ليس لدى النخبة حافز يُذكر لتطبيق سياسات أو معايير أخلاقية يكون من شأنها تحسين مستويات المعيشة للجمهور الأوسع.
يقول سامي نادر، المحلل السياسي اللبناني، إن هذا التقسيم للسلطة تمكن من تهدئة الصراع الطائفي، لكنه فشل في جعل الحكومة فعالة أو شفافة. وسلط الضوء على تشابه آخر بين الاحتجاجات في الدولتين العربيتين، فقال: “لعل المدهش والملفت والشيء الذي يشكل السمة الرئيسية لهذه الاحتجاجات هو أنها لا تحمل أي بُعد ديني أو طائفي -أو حتى سياسي. على العكس من ذلك، كان أحد مظاهر الاحتجاجات في البلدين هو أنها موجهة ضد أي أحزاب سياسية مشحونة دينياً أو أيديولوجياً”.
تركت الطائفية ندوبها على جيلين على الأقل من العراقيين، بدءاً بعمليات القتل التي قام بها صدام حسين ضد الشيعة في العراق، ثم الانتقام اللاحق الذي مارسته الميليشيات الشيعية ضد السنة، وإنتهاء إلى تشكل تنظيم “داعش”. وهم ليسوا منهكين من الفوضى التي أطلقتها المنافسات الطائفية فسحب، وإنما أصبحوا يزدرونها أيضاً. وقد نُظمت الاحتجاجات العراقية الأخيرة بشكل أساسي في المدن الشيعية، ضد حكومة يهيمن عليها الشيعة.
في الأثناء، تتألف الاحتجاجات في لبنان من طوائف وأعمار وأيديولوجيات مختلفة ومن الجنسين. ومع ذلك، ربما كان من أبرزها الاحتجاجات التي قام بها الشيعة في جنوب البلاد ضد حركة أمل، التي تشكل -تاريخياً- الحزب السياسي الشيعي المهيمن. وقد رجّعت الشوارع في صور صدى الشتائم الموجهة إلى نبيه بري، زعيم حركة أمل، والرئيس الشيعي للبرلمان، وحليف حزب الله.
بل إن المحتجين لم يتوقفوا عند هذا الحد. “كلن يعني كلن، نصر الله واحد مِنُّن”، كان أحد الشعارات التي رددوها -في هجوم نادر على حسن نصر الله، زعيم ميليشيا حزب الله الشيعية.
في كلا البلدين، لعبت الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران دوراً مهيمناً في الحكومة في السنوات الأخيرة: حزب الله في لبنان، والجماعات التي تنتمي إلى قوات الحشد الشعبي، الجيش غير النظامي الذي نشأ لقتال “داعش”، في العراق. وتقول شعيط، المحاسبة التي تتظاهر في بيروت: “كانت إيران تسرق قوى بلدنا. كلنا يعلم أن الأوامر بقتل المحتجين صدرت عن النظام الإيراني وتم نقلها إلى الميليشيات. أنا أحب نصر الله، لكن خطابه أثار غضب الكثير من الناس. إنه لأمر محزن -كان الأمر كله يتعلق برفضه هو وفريقه السعي إلى استسلام للحكومة وقولهم إنهم لا يستطيعون فعل أي شيء حيال ذلك. بعد كلمته، اجتمعنا مرة أخرى في الشارع”.
في اليوم الثالث من الاحتجاجات، أصدر نصر الله بياناً يطالب فيه ببقاء الحكومة على الرغم من الاحتجاجات. وفي الواقع، لم يكن لدى حزب الله الكثير من الخيارات: فهو يشكل جزءاً كبيراً من الحكومة نفسها، وله مقاعد في مجلس الوزراء وهو يسيطر على وزارة الصحة بالغة الأهمية. لكن الكثير من اللبنانيين شعروا، نتيجة لذلك، بأن حزب الله لم يعد بإمكانه ادعاء الأرضية الأخلاقية التي كان يدعيها لنفسه في السابق كطرف خارج السياسية، الآن بعد أن أصبح بوضوح جزءاً من النظام المَعيب.
بعد أسبوعين من العنف والتحريض والإثارة، بدأت الاحتجاجات في العراق بالتلاشي، لكنها ظلت تتصاعد في لبنان. ويعتقد بعض اللبنانيين أن الوقت قد حان، بعد فترة طويلة من الحرب الأهلية، للانتقال من النظام القديم والمجازفة بالاستثمار في شيء مختلف. في انتخابات العام الماضي، صعدت حركة جديدة من مرشحي “المجتمع المدني” المستقلين وغير الطائفيين. وعلى الرغم من أن واحداً منهم فقط نجح في الفوز بمقعد، وسط مزاعم بأنهم متباينون ومنقسمون للغاية، فإنهم ما يزالون مصممين على المحاولة مرة أخرى. وقال جيلبرت دميط، أحد المرشحين الخاسرين: “هناك قيادة، لكنها قيادة غير تقليدية. الحجة القائلة بأنها ليست لدينا قيادة إنما تهدف إلى خلق خوف من الفراغ”. وعزا دميط الهزيمة إلى نقص الأموال وقوانين الحملات الانتخابية المصممة لخدمة مصالح النخبة الحاكمة الحالية.
يأمل المحتجون في كل من لبنان والعراق في أن يظهر في بلادهم في نهاية المطاف جيل جديد من السياسيين. ومع ذلك، فإن فعل الاحتجاج في الوقت الحالي في حد ذاته يخلق لدى الناشطين حساً بالإمكانية. يقول عزب: “إنه شيء جميل للغاية، عندما تشعر أنك تمكنت من هزيمة كل مخاوفك وقول ما تريد بصوت عالٍ”.

*مراسلة صحفية تقيم في بيروت.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: The Arab World’s Revolution Against Sectarianism

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock