أفكار ومواقف

ثوريون مزيفون

يصر الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، في الفترة الأخيرة، على أن يضع نفسه على طرف النقيض من آمال الشعب العربي الذي يخوض معركة التحرر في أكثر من ساحة عربية.
ويبدو أن الحكام الديكتاتوريين متشابهون، سواء كانوا شرقيين أم غربيين، فهم بالضرورة ضد الشعوب، ومع المتسلطين والمتشدقين بـ”أكذوبة الممانعة” والمواجهة والتصدي.
خلال العدوان الإسرائيلي الهمجي على قطاع غزة قبل زهاء عامين، خرج علينا شافيز بموقف ثوري من طراز رفيع، جعله يتجاوز العديد من الحكومات العربية، حين أعلن صراحة أنه يجب محاكمة القادة الإسرائيليين على المجازر التي ارتكبت في حق الفلسطينيين، ومعهم القادة الأميركيون الذين غضوا بصرهم عن تلك المجازر وشجعوا عليها بصمت.
يومها، لم يكتفِ شافيز بمجرد التصريح، بل أتبعها بخطوة عملية تمثلت في طرد السفير الإسرائيلي في كاراكاس مع ستة موظفين آخرين تضامنا مع الشعب الفلسطيني واحتجاجا على الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
لعل هذا الموقف، وما سبقه وتبعه أيضا من مواقف تجاه القضية المركزية العربية، حددت علاقة الشعب بهذا الحاكم القادم “من أعالي البحار”، ليدغدغ أمنياتنا القليلة في “مجرد تصريحات” انتظرناها أن تنطلق من العواصم العربية، ولكن من دون جدوى.
غير أن وجه “الثوري الأممي” هوغو شافيز تغيّر كثيرا وهو ينظر ناحية الشعب العربي في معركته الأخيرة دفاعا عن حريته وكرامته وحقه في تقرير المصير. ففي المسألة الليبية، أجهد شافيز نفسه كثيرا في محاولة صياغة “مبادرات تخريجية” ملائمة تحفظ ماء الوجه للعقيد معمر القذافي، وتضمن بقاء الديكتاتور الليبي مغتصبا للسلطة في بلده، وجاثما على صدر الشعب الأعزل.
وقبل أن ينسى العرب السقطة المدوية لـ”الثائر الأممي”، يظهر شافيز من جديد، كما لو أنه معجب بصوته النشاز، فيعلن تأييده المطلق للديكتاتور السوري، غير ملتفت لجثث السوريين التي ملأت الشوارع والميادين في المدن المختلفة.
شافيز أحال جميع ما يحدث في سورية اليوم إلى “محاولات القوى الغربية الإطاحة بالأسد”، وإلى “إرهابيين يتسللون إلى سورية ويعملون فيها عنفاً وتقتيلاً”، غير أنه لم يلتفت إلى شعب يعيش تحت القمع منذ نصف قرن بفضل نظام حليفه.
تصريحات شافيز الأخيرة حول الثورتين الليبية والسورية، تكشف عن أن مواقفه تجاه القضية الفلسطينية لم تأتِ من منطلقات فهم لطبيعة الصراع في المنطقة، ولا للحق العربي في فلسطين التاريخية، وإنما تأتي من مجرد “مناكفات صبيانية” تجاه الولايات المتحدة، وهو يرى في نفسه الأهلية الكاملة لأن يعلن عن نفسه عدوا لها.
غير أن هذه المعادلة الصبيانية لا تخدم قضايانا العربية، وحريٌّ بنا أن لا نلقي بالاً لها، خصوصا ونحن نعلم أن جميع مواقف “الثائر شافيز” لن تضرّنا ولن تنفعنا، سواء كان مؤيدا أو معارضا لما يحصل في بلداننا.
ولكن “الثورية الزائفة” لم تتكشف عن شافيز وحده، فهناك اليوم عرب بين ظهرانينا “ينظّرون” من جديد لـ”انحرافات فكرية” أكل الدهر عليها وشرب، وهم يحاولون بشتّى السبل أن ينقذوا الديكتاتورية العربية التي على وشك الغرق، بواسطة ادعاءات لم تعد تجدي.
إن مقولات الممانعة والتصدي ودعم المقاومة، جميعها مقولات ستبقى فارغة من المضمون إن تجاوزت حرية الشعوب وكرامتها وحقها في الحياة الطبيعية من دون عشرات القوانين الدائمة والمؤقتة التي تحدد فيها مسار الإنسان منذ يوم ولادته وحتى اللحظة التي يسجّى فيها جسده في القبر.
“الثوريون الزائفون” يحاولون أن يبيعونا وهماً جديدا وهم يعرضون “بضاعة الديكتاتوريات العربية” على رصيف الشعوب، فها هم يزغردون اليوم لـ”البطل الذي حرّر درعا وحمص وبانياس من أهلها”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock