تحليل إخباري

جائحة الكورونا.. التحول الرقمي يشكل مستقبل القطاع التعليمي

مهدي بن شعبان*

واجه القطاع التعليمي حول العالم الكثير من التحديات خلال جائحة كوفيد- 19، حيث تعرّض الطلاب وأولياء الأمور والموظفون إلى مستوى عالٍ من التوتر، وعدم اليقين، من خلال التحوّل إلى التعلم عن بُعد. ومع ذلك، فإن هذا التحوّل يحدث بمعدل أبطأ من التحولات في مجالات أخرى، مثل التجارة الإلكترونية، والحكومات الرقمية.
وسط مخاطر العدوى بفيروس كوفيد- 19 في جميع أنحاء العالم، استعدّت المدارس العامة والخاصة لاستقبال الطلاب مرة أخرى إلى المدارس للعام الدراسي 2021-2022 مع الالتزام بالبروتوكولات الصحية الصادرة بحسب كلّ دولة. في الأردن على سبيل المثال، عاد الطلاب إلى التعلّم داخل الفصول الدراسية بسعة 100 في المائة، وقامت وزارة التربية والتعليم في البلاد حتى الآن بإعطاء اللقاح المضاد للفيروس لأكثر من 83 في المائة من المعلمين والإداريين.
على الرغم من ذلك، فإنّ بعض المدارس الخاصة في الأردن تتخذ نهجًا مختلفًا، من خلال التعليم المدمج، عبر إعادة الطلاب إلى الفصول الدراسية، والتعلّم عن بُعد أيضًا لمدة يوم أو يومين، كلّ أسبوعين.
يتطلب التعلّم عن بُعد إتقان استخدام الأدوات الرقمية للاتصال، وجمع البيانات، ومعالجتها وتحرير المستندات، ومهارات تقنية أخرى. كما أنه يحفّز الطلاب على إدارة وقتهم، واتخاذ قرارات مسؤولة أثناء استخدام هذه الأدوات. لذلك، يساعد التعلم عبر الإنترنت الطلاب في نواحٍ عديدة، منها تطوير الكفاءات في بيئة تُسمى في نهاية المطاف «مكان العمل الحديث».
وبينما لا يمكن للطلاب الأصغر سنًا (حتى الذين هم في المدرسة الابتدائية) الاستفادة حقًا من الوقت الذي يقضونه على الإنترنت الا إذا كان معلموهم وأولياء أمورهم يتعاونون كمدربين للتعلم. من المؤكد أن وضع جهاز لوحي في يد طفل صغير سيسهم في إسراع اتقان كيفية استخدامه الأداة وتطبيقاتها، ولكن من المهم التأكد أنه يستخدمها بشكل صحيح، وهذا يتطلب التزامًا حقيقيًا ومشاركة من البالغين. إذا تُرك طفل صغير بمفرده مع نافذة رقمية مفتوحة سيكون ذلك بمثابة التقاعس عن رعايته ويؤدي ذلك إلى تأثير مدمر على نموه الاجتماعي والعاطفي، بينما يُعدّ وجود مساحة هادئة مجهزة بالأدوات المناسبة أمرًا ضروريًا لتركيز الطلاب ومشاركتهم الجيدة في التعلم عبر الإنترنت، فهي ليست كافية لتحقيق النمو المتكامل للطفل من مختلف الجوانب. البيوت التي تحولت إلى بيئة تعليمية هي تلك التي تتمتع بديناميكية من قبل الأسرة؛ أيّ التفاعلات بين الأشقاء والمناقشات مع الوالدين والأقارب، فهي تعزز فضول الطفل وتشجعه على طرح التساؤلات والاستفسار.
ستُسهم الأسر التي يتم فيها تشجيع القراءة والأنشطة اليومية الروتينية في تطوير النمو البدني للأطفال ومهاراتهم الحياتية، فيتم الحفاظ من خلالها على المعايير المرتبطة بتوفير بيئة تعليمية للطلاب الذين يتمكنون من الوصول إلى التعلّم جزئيًا أو كليًا من المنزل.
تتلخص نماذج التعليم المدمج في جعل الطلاب يصلون إلى خبرات التعلّم عبر وسيطين أو أكثر (على سبيل المثال، الفصل الدراسي، عبر الإنترنت، في الميدان، بشكل غير متزامن من المنزل). إذا تم فرض تعليمات حكومية على المدارس بتقليل عدد الطلاب في الفصل، وذلك اتباعًا للإجراءات الوقائية في خضمّ أي أزمة صحية، فإن الحل الطبيعي هو أن تقوم المجموعات بالتبديل بين التعلّم عبر الإنترنت والتعلم داخل الفصل الدراسي. من الواضح أن هذا يتطلب تخطيطاً كافياً ومرونة في تخصيص الموارد. وشدد بن شعبان على وجوب القيادات التعليمية في المدارس إعادة التفكير في نهجها المتبع عبر الجداول الدراسية، وإشراك موظفيها في تدريبات مصممة خصيصًا لذلك، وتعزيز خبراتهم في الأنظمة الأساسية بطريقة تلبي احتياجات طلابهم.
لقد حان الوقت لصانعي السياسات أن يتبنوا التخصيص وأن يزوّدوا المعلمين بالوقت والأدوات وطرق التعلم المهني والثقة والتوجيه للقيام بذلك
ومن ناحية أخرى، لقد تغيّر تركيزنا من المقاربة التي تسلط الضوء على «ما يقوم المعلمون بتدريسه» إلى مقاربة أخرى وهي «ما يتعلمه الطلاب»، حيث يفرض التدريس التقليدي في الفصول الدراسية وجود رابط وثيق بين هذين السلوكين، من خلال تبنّي مهام المحتوى والبرمجة في تسلسلات محددة، والتحكم في حركة الطلاب داخل الفصل ونمذجة السلوك المتوقع وتعزيزه، لكن من المفترض أن يؤدي التدريس إلى شكل معيّن من التعليم. وقد أدى الوصول واسع النطاق للمعلومات وحرية الوصول لجميع أنواع المصادر إلى استحداث واقع يتعين فيه على المعلمين تبديل الأدوار سواء كانت أنظمة التعليم وهياكله قابلة للتكيّف مع هذا الواقع الجديد أم لا.
وخلال فترة وباء كوفيد- 19، تم تسريع هذا التحول، فعلى الرغم من أننا ما زلنا نرى نوعًا من المقاومة بوجه التغيير، إلا أنني أتوقع إصلاحًا شاملًا للتعليم حول العالم مغاير عمّا نعرفه، وذلك سيحدث بمجرد أن تقرر مؤسسات التعليم العالي تغيير عمليات ومعايير القبول الخاصة بها وتبني نهج أكثر أصالة وشمولية. لكن لا يزال هناك بعض العمل الذي يتعين القيام به في هذا المجال.

  • المدير العام لمعهد التطوير التربوي التابع للتعليم ما قبل الجامعي في مؤسسة قطر وخبير في تطوير نُظم التعليم والتعلم المهني
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock