آخر الأخبار حياتناحياتناكورونا

جائحة كورونا.. هل ستساهم بتشكيل جيل جديد من “الانعزاليّين”؟

تغريد السعايدة

عمان– “تباعد جسدي” دعت له جميع الدول في العالم منذ بداية ظهور جائحة كورونا العام الماضي، في محاولة لكسر سلسلة العدوى بين الأفراد، وهو ما يحدث في الأردن كما باقي الدول. بيد أن ظهور موجات جديدة ضاعف حجم الخوف لدى الناس من أن يتحول هذا التباعد إلى “انعزال”.

ذوو إعاقة يعيشون قسوة العزلة في زمن “كورونا”

هذا الانعزال، يتمنى من خلاله الاشخاص أن يكونوا على مسافة آمنة من العائلة والأصدقاء وزملاء العمل، بهدف الحماية من العدوى، غير أن تلك العزلة بدأت تتطور بشكل “سلبي” لدى بعضهم، ممن اعتادوا على هذا النمط من الحياة بالابتعاد عن الجميع، بالأيام والشهور.

“من الدوام للبيت ومن البيت للدوام”.. هذا البرنامج اليومي الذي أصبح أسلوب حياة منذ ما يزيد على الشهرين لوداد ناصر، التي تخشى على عائلتها وتحديداً والديها وشقيقها الذي يعاني “السكري”، كونها هي من تخرج البيت للعمل.

وترى ناصر أنها وصلت إلى مرحلة “الانعزال التام”، ولا ترى سوى زميلاتها في العمل، ولا تشارك في أي مناسبة عائلية مهما كانت، وتكتفي بمجاملة الآخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على حد تعبيرها، حتى باقي أشقائها المتزوجين، تؤكد أنها منذ فترة طويلة لم تعد تزورهم كما في السابق، فيما هم عمدوا إلى التخفيف من زيارة بيت العائلة الكبير حفاظاً على عدم نقل العدوى لوالديهم.

وعلى الرغم من أن علماء علم الاجتماع أكدوا أن يكون المصطلح والسلوك المُتبع هو “التباعد الجسدي” وليس التباعد الاجتماعي، كون الوضع الحالي من ظروف “صعبة” يعيشها العالم أجمع، يحتاج إلى تكاتف وتقارب اجتماعي أكثر مما كان، إلا أن السلوك الإنساني والخوف من المرض الذي يزداد خطورة يوماً بعد يوم، ساهم بأن يكون هناك تباعد اجتماعي بشكل واضح.

بيد أن الأمور تطورت إلى أن أصبح “انعزالا اجتماعيا تاما لدى نسبة كبيرة من المجتمع”. وبعض العلماء تنبهوا إلى هذا الجانب، وحذروا من خطورة أن “يتمادى هذا السلوك الحياتي ويخرج للعالم جيل جديد يعاني هذه العزلة، وخاصة الأطفال الذين اتخذوا من بيوتهم مسكناً ومدرسة ومكان لعب دون الخروج إلى العالم الخارجي والاختلاط الذي له دور في تنمية شخصيتهم الاجتماعية والتعايش مع الآخرين”.

قبل أشهر قليلة، وبعد اتساع انتشار الجائحة في العالم، نشرت صحيفة “الإندبندنت” مقالاً في المجال ذاته، وحذرت فيه من أن “فيروس كورونا يمكنه أن يصنع جيلًا كاملًا من الانعزاليّين”، وطرحت مثالاً على ذلك وجود فئة ظهرت قبل عدة عقود لطائفة في اليابان تميزت بأنها “مجموعة من الانعزاليّين الّذين ينسحبون من الحياة المجتمعيّة الأسريّة بشكل كامل ليعيشوا أغلب حياتهم في غرفة واحدة فقط في المنزل، وهؤلاء يشبهون الشباب في عصرنا الحديث الّذين يرتبطون بشدّة بالألعاب الإلكترونيّة ويبقون أغلب الوقت أمام شاشات الحواسيب لممارسة هذه الألعاب”.

وأشار المقال إلى أن “تفشّي الجائحة قد يكون سبباً في نشر هذه الظاهرة ووجود آثار اجتماعيّة ونفسيّة، وأن الخوف من العدوى ومن الآخرين يدفع بعضهم إلى البقاء في المنزل رغم قدرتهم على الاختلاط المجتمعي، لكنّهم يختارون الانعزال وخاصّةً المعرَّضين لمضاعفات حادّة جرّاء الإصابة.

كما انه يمكن ان يؤدي لايجاد جيل جديد ليس معتادًا على الانعزال فقط، بل يفضّله، وهو ما سيؤدّي لآثار وتغييرات اجتماعيّة شاملة”.

وعلى المستوى المحلي، في الأردن، يرى اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي أن مظاهر العزلة الاجتماعية بدأت بالظهور فعلياً في عدة مناطق إن لم يكن في معظم مناطق المملكة، موضحاً أن العائلات في المدن قد تعاني هذه العزلة أكثر من غيرها من العائلات التي تقطن في أماكن منفتحة على بعضها، كما في القرى والمناطق البعيدة عن مراكز المدن على سبيل المثال.

ويرى الخزاعي أن العائلات التي تضم كبارا في السن فقط، الذين يقطنون وحدهم في المنزل، قد تكون أكثر تضررا من ظاهرة الانعزال المجتمعي، وذلك بسبب الخوف من خطورة المرض ومضاعفاته، وفي تناقل أخبار تسلط الضوء دائما على خطورة المرض على المسنين تحديداً، وضعف المناعة لديهم، وهذا سيؤدي إلى ظهور السلوك “الانعزالي الاجتماعي”، الذي يؤدي إلى ابتعاد الأقارب والجيران وعدم الاختلاط لحين الانتهاء من الجائحة.

سائدة الحمد، أم لطفلين، أصيبت قبل أشهر قليلة بفيروس كورونا، وهي الآن بصحة جيدة، تؤكد عدم قدرتها على الاختلاط بالآخرين كما في السابق، وتقول “لمدة تزيد على 40 يوماً لم أخرج من المنزل، ولم أختلط بوالدي خوفاً من أنقل العدوى لهما حتى أصبح الجلوس في البيت لأيام متتالية أسلوب حياة لدي خصوصا مع تزايد اعداد المصابين يوماً بعد يوم”.

وترى سائدة أن هذا الأمر بات يوثر على أطفالها الذين اعتادوا الجلوس بالبيت وتكرار عبارات الخوف من “كورونا”، وتحاول جاهدة ان تعوضهم عن ساعات اللعب والاختلاط مع أقرانهم بأن توفر لهم ألعابا منزلية، وتحديد ساعات معينة للخروج من المنزل في أماكن مفتوحة خلال هذه الايام.

ولكن تتمنى في الوقت ذاته أن لا يستمر الحال على ما هو عليه حتى لا تصبح العزلة أمراً طبيعياً ومعتاداً.

الاستشارية النفسية والأسرية الدكتورة خولة السعايدة تذهب إلى أن ” جائحة كورونا غيرت كثيرا من المفاهيم وقواعد السلوك ومعايير المجتمع وهذا أمر طبيعي في ظل نمو وتطور المجتمعات،.

ولكن أخذت هذه التغيرات منحى المصلحة التي تغلب على طبيعة العلاقات الأسرية والمجتمعية التي تعتمد على أنه” ولمصلحة من أحب ولمصلحتي التباعد الجسدي هو الافضل حتى لا أتسبب بأذى لنفسي وغيري”.

لذا، تبين السعايدة أن الغالبية اتجهت إلى الحد من الاختلاط بل أصبح التعبير عن الحب للطرف الآخر، يتجسد بالابتعاد عنه جسديا فقط، ولكن تحول الأمر مع مرور الوقت الى تباعد اجتماعي وهو “ما كنا نخشاه ولا نحبذ حدوثه”.

وبحسب، الخزاعي فإن الأمور قد تتطور عن المألوف في العزلة الاجتماعية التي نشهدها الآن، كأن يعتذر الشخص عن استقبال الضيوف ويعتزل زيارة الآخرين بشكل تام، على الرغم من أن الأطباء والمختصين يعتقدون أن هذا الأسلوب هو أحد افضل الطرائق للحد من انتشار المرض بين أفراد المجتمع، وطريقة لكسر سلسلة الانتشار.

ولكن الخشية، هو ما بعد الجائحة، بأن يظهر جيل يعاني انعزالا تاما عن الأهل الأقارب، وهذه ليست سمة من سمات المجتمع بشكل عام.

وترى السعايدة أن هناك طرائق عديدة تمكن الأشخاص من البقاء على تواصل مع الآخرين بأي وقت وأي لحظة، و”لدينا القدرة على الحديث معهم وأن نراهم بالصوت والصورة بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، مما يساهم بزيادة التقارب المجتمعي بعيدا عن الجسدي.

وتبين السعايدة، مدى تأثير التباعد الذي بدأ يلمسه الصغار، وخاصة من اعتادوا على أن يكون تواصلهم مع الآخرين من خلال المصافحة باليد وتقبيل كبار السن منهم، و”الآن نغرس فيهم فكرة الابتعاد عن الكبار واننا يجب أن لا نقترب منهم حبا لهم وخوفا عليهم”، وهذا قد يكون سببا في تشتت الطفل وأن يعتاد على هذا التصرف حتى فيما بعد. أما الأنشطة التي كان الشخص يمارسها بشكل جماعي أصبح الآن يطبقها بشكل فردي.

بيد أن الخزاعي يرى أنه بعد أن يعود الاطمئنان إلى المجتمعات وتنقضي الجائحة بشكل كامل من العالم أجمع ويقل عدد الإصابات والوفيات “سنرى تراجعا بالانعزال المجتمعي ولكن ضمن ضوابط وإجراءات وقائية صحية أمست سلوكا معتادا”.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock