أفكار ومواقف

جائحة كورونا والتسرب المدرسي

في الأزمات تبدو الثغرات والإشكاليات القانونية أكثر وضوحا وبروزا، لا بل أكثر استغلالًا واستثمارًا في أحيانٍ أخرى. هذه الحقيقة التي نشهد تطبيقات عديدة لها في زمن تفشي وباء كورونا خاصة في اطار المنظومة القانونية الوطنيّة، ولا يمكن لنا أن نتجاوز هذه الأزمة دون الوقوف أمامها سعيا نحو الاستفادة منها وتجاوزها.
التسرب المدرسي بصورته الإلكترونية المستحدثة بحكم الظروف الطارئة وفي ظل الأرقام المتداولة والتقارير المختلفة التي تعكس حجم هذه الظاهرة خلال المرحلة الزمنية التي طبق ويطبق خلالها التعلم عن بعد، تستدعي الوقوف مطولًا أمام مدى كفاية المنظومة الوطنية إبتداءً وقبل اختبارنا لهذه الجائحة في وضع حدّ للتسرب المدرسيّ الذي يشكل تحديًا جوهريًا في إمكانية وصول الطلبة إلى حقهم في التعليم والتعلم.
إنّ قراءة قانون التربية والتعليم لبيان مدى كفايته القانونية في الأحوال الطبيعية للوقوف في وجه هذه التحدي وعلاجه أو منع وقوعه ابتداءً، تكشف عن أنّ القانون نص في المادة العاشرة منه على أنّ التعليم الأساسي تعليم الزامي ومجانيّ في المدارس الحكومية، إلا أنّ هذه الإلزامية تتطلب أن يضع القانون ذاته آليات لضمانها ووضع حدّ لمن يحاول ان يتجاوز عليها وسن العقوبات اللازمة على من يتخلف عن الالتزام بها، وهو الأمر الذي لم ينص عليه قانون التربية والتعليم مما جعلنا أمام ثغرة قانونية ساهمت في انتهاك حق بعض الأطفال في الوصول إلى التعليم.
في السياق ذاته تطالعنا تعليمات المعونات المالية لرعاية وحماية الأسر المحتاجة رقم ( 5) لسنة 2015م والصادرة استناد إلى قانون صندوق المعونة الوطنية بنص يشير إلى أن تمنح المعونات الشهرية الأساسية المنصوص عليها في التعليمات للأسر المحتاجة عند تحقيق مجموعة من الشروط منها، التزام الأسرة بشروط التعليم والحماية والرعاية الأسرية والصحية، وبشكل خاص التزام الأسرة بإرسال أبنائها للمدارس وعدم التسرب منها. وتنص التعليمات ذاتها على أن يحسم ما نسبته 25 % من أجمالي المعونة المستحقة للأسرة عن كل فرد يثبت رسميا تسربه من المدرسة أو عدم التحاقه بها عند السن القانوني المحدد لذلك، ويستثنى من ذلك غير الملتحقين بالدراسة لأسباب صحية على أن يتم اثبات ذلك بموجب تقرير طبي صادر عن المرجع الطبي المختص المعتمد. ويعدّ هذا التوجه التشريعي توجها محمودا للسياسة القائمة على إلزام الأسر بإرسال أبنائها الى المدرسة وعدم التسرب منها وذلك من خلال ربط المعونات بضرورة التزام الأسر بشروط التعليم.
إلا أنّ القانون المرجعي والأساسي والذي يوفر الحماية العامة في هذا السياق، قانون التربية والتعليم هو من يتوجب أن ينظم هذا الأمر ويحدد الجهة التي تتولى التبليغ عن عدم التحاق الطلبة بالمدارس بنصوص قانونية واضحة ومحددة ويفعل الزامية التعليم من خلال نصوص قانونية رادعة تجرم عدم التحاق الأطفال بمدارسهم تفعيلا لمبدأ مصلحة الطفل الفضلى.
إذًا، نحن أمام قصور تشريعي عن توفير حماية كافية ومتكاملة لحق الأطفال في الوصول إلى التعليم ، هذا القصور بدا أكثر وضوحا وشمولا واستغلالًا خلال جائحة كورونا، ولأنّ القانون دائما وأبدا هو الحلقة الأولى في حماية الحقوق والحريات، فإنّ ما يشهده أيّ مجتمع من أزماتٍ قد يكون في كثير من الحالات فرصة لمراجعة شاملة للعديد من الإشكاليات والخروج منها بفرص جديدة لتحقيق التقدم في المجالات كافة وفي مقدمتها المجال التشريعي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock