آخر الأخبارالسلايدر الرئيسيالغد الاردني

جائحة نفسية تتلو “كورونا” وتقصير رسمي في التشخيص والمعالجة

حنان الكسواني

عمان – لم يكن طرح منظمة الصحة العالمية شعارها لهذا العام بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية الذي يصادف غدا الأحد فقط، بل ذهبت الى ما أبعد مما كان يطرح سابقا، إذ اهتمت بكيفية توفير الرعاية النفسية للجميع بعد الجائحة وترجمته على أرض الواقع بشكل عملي، في حين يبدو القصور فادحا على المستوى المحلي في تشخيص وعلاج الآثار النفسية المترتبة على الجائحة.


جاءت هذه الطروحات الأممية بعد أن تحدثت دراسات علمية نفسية حول مدى تأثير جائحة كوفيد 19 “الفادح “على الصحة النفسية للناس، وطالت أغلب فئات المجتمع، بمن فيهم المصابون بالفيروس والعاملون في الرعاية الصحية، وأولئك المصابون بحالات صحية نفسية أصلا، في الوقت الذي تعطلت فيه خدمات الصحة النفسية والعصبية لفترة طويلة.


“غير أن ثمة ما يدعو إلى التفاؤل”، بحسب قول المنظمة التي استندت إلى إقرار حكومات العالم بأن تلتزم بالارتقاء بنوعية خدمات الصحة النفسية على جميع المستويات، لا سيما وأن بعض البلدان بدأت بابتكار سبل جديدة لتقديم رعاية الصحة النفسية لسكانها.


لكن كيف ترجمت الحكومة على أرض الواقع توفير خدماتها الاستشارية والعلاجية النفسية للأردنيين؟ وهل لديها استراتيجية قابلة للتنفيذ وبرامج مبتكرة على غرار تجارب البلدان الأخرى”.. هي جملة من التساؤلات طرحها خبراء في الصحة النفسية أمام الحكومة، والتي تكشف الهشاشة الرسمية في إدارة ملف الصحة النفسية وحق المواطن بتوفير خدمات شاملة بعد تداعيات الجائحة.

ويرى الخبراء في مجال الصحة النفسية، بحسب قولهم لـ”الغد”، أن الحكومة أولت جل اهتمامها لمكافحة الوباء ونشر التوعية الصحية بين الناس وصولا للمناعة المجتمعية، غير ان برنامج الرعاية الصحية الخاصة بالصحة النفسية لم تكن ضمن أولوياتها، رغم وجود دائرة مختصة للصحة النفسية في وزارة الصحة، وفي الاستراتيجية الوطنية للوزارة للأعوام 2018-2022 التي افردت فقرات خاصة لخدمات الصحة النفسية بـ”استحياء”، وربطتها مع مكافحة وعلاج الإدمان.


ولم تقتصر الأمور على الجائحة التي لعبت دورا في تراجع الخدمات الاستشارية والعلاجية النفسية، بل بات علاج ما يقارب ربع المجتمع الأردني ممن يعانون من أمراض نفسية مختلفة حاجة ملحة، خصوصا في ظل عدم اقتناع الأهل والمريض بأهمية وفاعلية العلاج، وعدم الانتظام في الجلسات السلوكية والعلاجية، وضعف الشبكات الاجتماعية المساندة لهم، بحسب مدير المركز الوطني للصحة النفسية السابق الدكتور نائل العدوان، الذي أوضح أن 4 % فقط، أي حوالي 100 ألف أردني، بحاجة إلى علاج داخل غرف المستشفيات أو المراكز العلاجية النفسية.


وفي ظل افتقار الأردن إلى دراسات علمية لتقدير حجم الإصابات بالأمراض النفسية قبل الجائحة وبعدها، يشير العدوان، وهو رئيس جمعية الأطباء النفسيين، إلى أن 25 بالمائة من المجتمعات في العالم يمرون في حياتهم بأمراض نفسية، لكنه يستدرك قائلا: “ليس كل مريض نفسي يجب إدخاله إلى مراكز أو مستشفيات علاجية باستثناء مرضى الفصام العقلي (تعدد الشخصيات) أو الفصام الوجداني، والهوس الاكتئابي، وأغلب هذه الحالات قابلة للشفاء بنسبة عالية في حال التزام المريض بالعلاج وتلقي الدعم الايجابي من الأهل والمجتمع.


وأشار إلى ارتفاع الإصابات بالأمراض النفسية بعد الجائحة بسبب ما أفرزته من ظروف اقتصادية واجتماعية وصحية صعبة على المواطنين، معتبرا أن اعداد العيادات الحكومية كافية لتقديم الخدمات الارشادية للمراجعين، إلى جانب عيادات الخدمات الطبية الملكية وبعض منظمات المجتمع المدني الوطني والأممي، بالإضافة إلى عيادات القطاع الخاص.

ويزور أكثر من 200 ألف مراجع سنويا 52 عيادة حكومية للاستشارات النفسية المجانية في مختلف محافظات المملكة بمعدل 40- 50 زيارة يوميا، لتلقي خدمة الاستشارات السلوكية والنفسية، منها أمراض القلق بأنواعه المختلفة، والاكتئاب والوسواس القهري والوهم المرضي، بالإضافة الى أمراض نفسية جسدية، وفق العدوان.


بدورها، ترى عضو الهيئة الإدارية لجمعية أطباء الأمراض النفسية الأردنية الدكتورة لينة عاشور أن جهود الخدمات النفسية في الأردن ما تزال “فردية ومبعثرة”، الأمر الذي يتطلب وضع منظومة وطنية متكاملة لتوحيد جهود القطاعات المتخصصة في هذا المجال، بما فيها القطاعان الحكومي والخاص والمجتمع المدني الوطني والأممي، في ظل وجود كوادر طبية وفنية مختصة مؤهلة ولديها الاستعداد التام لتطوير العمل الجماعي في مجال الصحة النفسية لخدمة المواطن الأردني.


وقالت عاشور، وهي عضو لجنة امتحان مزاولة مهنة الصحة النفسية لإنه “لا بد للحكومة من أن تنهض بواجباتها تجاه الصحة النفسية في الأردن، وتفرد في أجندتها أولوية للصحة النفسية، وأن تكون داعمة لهذا التخصص من حيث التركيز على نشر الوعي المجتمعي وإزالة الوصمة والتميير للمرضى، وفي خط مواز أن تعمل على تدريب الكوادر الطبية المتخصصة، وتطوير قدراتهم وتخصيص حوافز مالية لهم وزيادة اعدادهم حتى يتمكنوا من منح المراجع حقه في الوقت الكافي بالعلاج السلوكي والدوائي.


كما أشارت الى أهمية سد النقص في بعض التخصصات ذات العلاقة بالعلاج النفسي في الأردن، مثل التمريض النفسي والإرشاد النفسي وتوفير الباحثين الاجتماعيين، لافتة الى ضرورة تخصيص موارد مالية خاصة للنفسية في ميزانية الوزارة وتفعيل وحدة الصحة النفسية في الوزارة المسؤولة عن تطبيق استراتيجية الوطنية للصحة النفسية.


وتقدر نسبة الإنفاق على الصحة النفسية بأقل من 3 % من الإنفاق الحكومي على الصحة، فيما يذهب ما تبقى الى المستشفيات، بينما تقدم الوزارة خدمات الصحة النفسية من خلال المركز الوطني ومركز الكرامة للتأهيل النفسي، والمركز الوطني لتأهيل المدمنين، فضلا عن العديد من عيادات الصحة النفسية في سائر المحافظات.


ولغاية الآن، لا يوجد أي مبرر لافتقار الأردن إلى دراسات وطنية لتقدير اعداد الإصابات بالأمراض النفسية ما بعد الجائحة، بحسب عاشور التي عولت كثيرا على مراكز الدراسات في الأردن، وبخاصة مركز الدراسات الإستراتيجية، وهو أول مركز أكاديمي في الجامعة الأردنية، لإجراء هذه الدراسة نظرا لاهميتها، ليصار بناء على تلك الأرقام تقدير حجم المشكلة.


يشار إلى أن أول دراسة أكاديمية وطنية عن آثار الجائحة في الأردن كشفت عن آثار نفسية متفاوتة بين الشديدة والمتوسطة والبسيطة طالت نحو 6 ملايين شخص في الأردن، والتي وصف الخبراء نتائجها بـ”الصادمة والمقلقة” وبخاصة ان دراسة بريطانية جديدة كشفت عن تشخيص واحد من كل خمسة أشخاص مصابين بفيروس كورونا باضطراب نفسي في غضون الثلاثة أشهر اللاحقة من نتيجة اختبار فيروس كورونا الإيجابي.


وتتعدد الأمراض النفسية الشائعة التي أصيب بها الناس بعد الجائحة، ما بين القلق والاكتئاب والهلع والخوف والعصبية المفرطة واليأس مدى الحياة، الأمر الذي رسخ شعار منظمة الصحة العالمية لهذا العام بأن الصحة النفسية “حق للجميع وعلى الحكومات ان تدعم هذا الحق الذي بات تنفيذه على أرض الواقع حيويا بسبب الجائحة”.


من جهته، دعا مستشار الطب النفسي والإدمان في مستشفى الرشيد للأمراض النفسية، وليد شنيقات، أي مواطن يشعر بأعراض الاكتئاب والقلق، إلى الاستعانة بالأطباء النفسيين للوقوف على خطورة وضعه الصحي والنفسي والبحث عن علاج، مشيرا إلى أن على الهيئات الصحية الأردنية توسيع نطاق العيادات الصحية النفسية وعمل حملات توعية واسعة عن الأمراض النفسية مع تسهيلات لضمان وصول العلاج النفسي لجميع شرائح المجتمع.


وركزت المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على: “يحق لكل إنسان التمتع بأعلى مستوى من الصحة البدنية والنفسية يمكن بلوغه”.


وتتطابق آراء المعالجة النفسية عاشور مع الخبير الدولي في مواجهة العنف لدى مؤسسات الأمم المتحدة الدكتور هاني جهشان، في أن حماية المرضى النفسيين وإعادة تأهيلهم جسديا ونفسيا واجتماعيا هي مسؤولية وطنية تتطلب مبادرة جدية من الحكومة لإقرار تشريع خاص قائم على الدليل العلمي المسند وبمرجعية استراتجية وطنية تضمن توفير جودة عالية لخدمات الصحة النفسية، ورفع كفاءة الأطباء والممرضين والعاملين الصحيين.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock