أفكار ومواقف

“جابر”.. اختراع تاريخ جديد!

حسنا فعلت الحكومة بتأكيدها على أنها شكلت لجنة للنظر في موضوع فيلم “جابر” الذي ينوي مخرجه وكاتب السيناريو الخاص محيي الدين قندور تصويره في الأردن، وبالذات في منطقة البترا الأثرية. ورغم أن هذه الخطوة جاءت متأخرة، وكان لا بد من إجراءات وسياسات قبلية تمنع التجاوزات أياً كانت، إلا أنها خطوة مهمة لكي نتدارك ما تم إفساده حتى اليوم.
لكن ذلك لا يمنع، أيضاً، من القول إن السيناريو، والذي قدّم قراءة فيه بناء على تكليف من نقابة الفنانين، الفنان والكاتب محمود الزيودي، خطير جداً، لجهة محاولته بناء مروية يستند فيها كاتبها أو “صاحبها”، على قصص تاريخية مبعثرة، لكي يؤسس تاريخاً مزيفاً يثبت حقاً إلهياً آخر لليهود في الأردن، بعدما أثمرت مروياتهم الأسطورية في بناء تاريخ بديل، وتسويقه عالميا بأن فلسطين أعطاها الرب ملكا خالصا لهم من غير كل العالمين!
إن سيناريو الفيلم المفترض، وبحسب ما كتب الزيودي، ينحاز بشكل قاطع للروايات اليهودية، ويحاول أن يجعل من الأردن أرضاً يهودية أخرى، إضافة إلى محاولته إظهار التفوق اليهودي، وعدم كفاءة الأجهزة الحكومية والأمنية الأردنية، كما لو أنها لا تمتلك أي خبرة في عملها!
السياق الذي يأتي فيه السيناريو، ومحاولة إظهاره التفوق اليهودي، وأيضاً الإخلاص لتاريخهم ولكل ما يخصهم، لا يمكن أن يأتي من باب “الفن لأجل الفن”، بل هو سيناريو معد سلفاً لتحقيق هدف معين، وهو محاولة بناء تاريخ وهمي، ربما، في سلسلة طويلة من المرويات المزورة التي يشارك فيها آخرون بـ”إبداعات” كثيرة، وقد رأينا بعضها بأقلام عربية خلال السنوات الأخيرة، خصوصا تلك التي تصدت لدراسة تاريخ المنطقة، بما فيها تاريخ القدس المحتلة والمسجد الأقصى.
هذا الفيلم المفترض، كذلك، لا يمكن لنا أن نفصله عن “الغارة” التي شنها متدينون يهود على قبر النبي هارون، وإقامتهم طقوسهم الدينية فيه، وحرصهم على التصوير بكثافة وتوزيع الصور في كل اتجاه، إذ تمثل هذه الخطوة حلقة أخرى من محاولة بناء هذا التاريخ المزعوم، الذي تحرص دولة الاحتلال على تبنيه من أجل إقامة كيانها الأكبر، فهي حتى اليوم لم يسقط من حساباتها أن “حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل”.
يتذكر الزيودي في كتابته عن سيناريو الفيلم أن مها الخطيب، وحين كانت وزيرة للسياحة قبل سنوات، طالبت بضرورة أن يكون هناك مرافقون للأفواج السياحية الإسرائيلية في البترا، لأنهم يحاولون دفن آثار مزورة تثبت تواجدهم في بعض المناطق الأردنية، خصوصاً مدينة البترا الأثرية. كما نتذكر جميعنا كيف أن اسرائيل لجأت بعد توقيع اتفاقية وادي عربة، إلى تسويق مدينة البترا على أنها ضمن حدودها، إذ كان المسار السياحي الذي اقترحته هو زيارة بعض المدن الفلسطينية المحتلة وإيلات والبترا.
اليوم، لم يعد مهماً أن تدفن الوفود السياحية الإسرائيلية آثارا مزورة في مدننا، فقد خرجوا من العمل السري إلى الإعلام والميديا والإنتاجات الفنية الكبرى، لكي يؤسسوا لتاريخ آخر مزعوم يبنونه على حساب تاريخنا ومستقبلنا ووجودنا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock