أفكار ومواقف

جباه مكللة بالعار والشنار

الحديث هنا عن عرس حقيقي، تم فيه زف مستوطِنة الى مستوطِن من لحم ودم، وسط احتفال هستيري صاخب، رفع فيه المستوطنون من “يتسهار” و”كفار تنوح” في الضفة الغربية، الأسلحة والسكاكين والزجاجات الحارقة، وأخذوا يطعنون صورة للرضيع علي الدوابشة، الذي سبق أن أحرقه أقران لهؤلاء المحتفلين بالانتصار على ضحية لا حول لها ولا قوة، ناهيك عن أن لا ذنب لها على الإطلاق.
وليست الغاية هنا التنديد والاستهجان، أو التعبير عن مشاعر الاحتقار لأرباب هذا العرس الوضيع، بعد أن أشبعنا إسرائيل شتماً وظلت تفوز بالإبل، وأمسكناها بالجرم المشهود مرات لا تعد، وبقيت تفلت من العقاب، من دون أن تبالي بالعويل، أو تهتز في رأسها شعرة، خشية من اللوم والتقريع. فقد كفّ ذلك المجتمع المتبتل في محراب القوة العمياء، المنجرف نحو التطرف باطراد، عن الاستماع لنصائح أقرب أصدقائه المقربين.
وعليه، فإن هذه المقاربة لحفل الزفاف الفاجر، المكللة جباه راقصيه بالعار والشنار، مكرسة لاستجلاء مغزى العرس الاستيطاني المجنون، المبشر بانتقال عدوى التعصب والهوس العقائدي، التي أصابت مجتمعاتنا منذ سنوات، إلى قلب المجتمع الإسرائيلي المترفع عن طبائع الشرق وآفاته المرضية، ليس بالاستناد إلى هذه الواقعة غير اليتيمة، وإنما بالحفر عن جذورها الضاربة عميقاً في بلاد المستوطنين والاستيطان.
صحيح أن هذا العرس الماجن، وما تجلى فيه من عربدات، قد صدم بعض أوساط النخبة السياسية الإسرائيلية، وأثار الحرج لدى جزء من أركان السلطة، إلا أن ذلك لا يبرّئ سدنة القلعة والأحزاب والحكومات المتعاقبة من الخزي، بعد أن شدوا على أيدي المستوطنين مباركين، وربتوا على أكتافهم مدللين، الأمر الذي لا ينفع معه التنصل من هذه الظاهرة، واعتبارها حالة شاذة منقطعة عن محيطها اللصيق.
ولا شك أن ما حفلت به الصحف الإسرائيلية، على مدى الأيام الماضية، من استغراب واستهجان لهذه الفعلة الشائنة، كان مجرد عملية تكاذب على النفس وتضليل للغير. فكيف لمن امتهن اللصوصية، كابراً عن كابر، أن يتفاجأ بأن من تربوا على يديه ساروا على الدرب ذاته، وتنقبوا أخلاق آبائهم، ألا يقارفوا اليوم ما قارفه القوم من ارتكابات، وإن كان الأبناء أشد فظاظة وأكثر فجوراً من السابقين؟
ولماذا يتفاجأ المتفاجئون، ما دام القطيع كله من الخراف السوداء؟ ولماذا يشعر بعضهم بشيء من الخجل، فقط عندما يتم نشر الغسيل القذر، طالما أن الغسيل قذر من الأساس؟ أليس هؤلاء الراقصون من مستوطنة “يتسهار” هم أبناء الذين سطوا من قبل، وقتلوا من غير وخزة ضمير، ونكلوا بالفلسطينيين على مرّ السنين، وهتفوا في كل المناسبات “الموت للعرب”، وتربوا على أيدي حاخامات وجنرالات وعتاة إجرام وأحقاد؟
لقد عيّرنا الإسرائيليون كثيراً بما يجري في بلادنا من تقاتل بين الإخوة الأعداء، وفركوا أيديهم فرحا جراء ما أنتجته مجتمعاتنا من ظواهر مرعبة، مثل “داعش” وشقيقاته المتعطشات للدماء. أما اليوم، وبعد أن تفاقمت الظاهرة الداعشية لدى حاملي لواء الشريعة اليهودية، وانجرفت الحكومة اليمينية وراء مزيد من الفاشية والقوانين العنصرية، وتشبهت الضحية بخصال جلادها النازي في المحرقة، فإن لنا اليوم أن نقول: اشربوا هنيئا من الكأس نفسها أيها الأوغاد.
لقد أحرق المستوطنون الفتى المقدسي محمد أبو خضير، فقامت العدالة الإسرائيلية بتبرئة القتلة، بزعم أنهم ثلة من المجانين. ثم أعادوا الكرّة في قرية دوما، وظل الفَعَلة المعلومون لأجهزة الأمن طلقاء، بدعوى الافتقار للمستمسكات. أما حينما يتم إيقاف حارقي عائلة الدوابشة، فيتم تسيير المظاهرات وراءهم، ويجري تصوير المجرمين على أنهم قديسون، إلى حد تنبأ فيه أحد الكتاب الإسرائيليين بأن الشوارع ستحمل أسماء هؤلاء بعد حين قصير.
وحقا إن الإرهاب لا دين له، وإنه جائحة معدية عابرة للحدود والقوميات والثقافات. ومن لديه شك في صحة هذا الاستنتاج، عليه التمعن قليلاً في “ديناميات” الظاهرة الداعشية التي تخلقت في أحشائنا وانتشرت في الجوار، بما في ذلك المجتمع الاستيطاني، مدعي قيم الحضارة الغربية المتعالية، رغم استغراقه كلية في فلسفة الاغتصاب والتمييز العنصري، والسرقة الحلال من أملاك الغير إذا كانوا من “الأغيار”. فالراقصون في حفل “يتسهار” هم الأولاد النجباء لآبائهم حاملي “فايروسات” هذه الآفة السوداء.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock