أفكار ومواقف

جذر المشكلة

اتصلت بي محررة صحفية من وكالة الانباء الأردنية ظهر يوم أمس وأخبرتني انها تعد تقريراً عن حالة الركود الذي يمر به قطاع العقار في الأردن. وكان استفسارها عن دور القروض البنكية وارتفاع أسعار الفائدة في هذا الركود. واختلفت معها في التحليل من البداية. فقلت لها ليس من العدل أن نلقي باللوم على الطرف الأخير في هذه المعادلة المعقدة التي تحتوي على أكثر من طرف ومتغير. وللعدالة يجب أن نبدأ في التحليل بالعودة الى جذر المشكلة.
فالمشكلة بدأت عندما قامت الشركات العقارية بشراء الأراضي بسعر مرتفع عندما كان الاقتصاد منتعشاً، وبنت عليها بنايات متعددة الطوابق بمساحات واسعة عندما كانت أسعار مواد البناء، وخاصة الحديد والاسمنت، أيضاً مرتفعة. وكانت الفئات المستهدفة هي السكان غير الأردنيين، والاردنيون العاملون في الخارج نظرا لارتفاع قدراتهم الشرائية، متناسية تلبية الطلب الأكبر على الشقق الصغيرة المساحة لفئة الشباب المتزوجين الجدد والمقبلين على الزواج وحديثي العمل. وهذه الفئة من المواطنين تكون رواتبهم متدنية ولا تتجاوز 800 دينار على الاغلب للأسرة، ولا تمكنهم من الحصول على قرض كبير لتملك شقق واسعة بأسعار مرتفعة. وعندما تقلص الطلب على العقار حصل ركود في القطاع العقاري. وكان سبب ذلك حصول تحول في الطلب على العقار الى دول قريبة نسبياً من الأردن مثل تركيا وقبرص واليونان وبعض الدول الخليجية وحتى بعض الدول الأوروبية البعيدة. وكان الطلب الخارجي على العقار مدفوعا بحالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي في المنطقة وعدم وضوح الرؤية المستقبلية. وكان أغلب ذلك من فئة المواطنين الذين يملكون أموالا وودائع وبعضهم بقروض من البنوك.
ومع ذلك فإذا حصلت أسرة على قرض سكني ستكون أعباء ذلك القرض مقبولة ومعقولة في بداية عمر القرض ويمكن تحملها. ولكن بعد قدوم المولود الأول والثاني والثالث ودخولهم المدارس ستصبح مستويات رواتب الأسرة غير كافية لتحمل أعباء المصاريف الجديدة بالإضافة لأقساط وفوائد القرض. كل ذلك ليس بسبب ارتفاع أسعار الفوائد ولكن بسبب ظهور تكاليف جديدة وارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم ولأن الزيادة في مستويات الرواتب والأجور منخفضة جدا ولا تغطي ارتفاع احجام التكاليف الجديدة.
عندها تبدأ الشكوى ويُلقى باللوم على الطرف الأخير في المعادلة وهو البنك، لماذا؟ لأن القسط يقتطع من الراتب المحول للبنك أولا فتتبقى مبالغ معينة تغدو بنظر الأسرة غير كافية لتغطية المصاريف المتزايدة. والأصل أن نلقي باللوم على باقي المتغيرات والأطراف والعوامل. فالخطة المالية الاسرية لم تحسب بدقة منذ البداية من جهة وبسبب ظهور تكاليف طبيعية أخرى نتيجة كبر حجم الاسرة في السنوات التالية من عمر الأسرة وهذا أمر طبيعي.
وتفاقمت المشكلة عندما بدأ الاقتصاد بالتباطؤ منذ حوالي عقد من الزمان. وتفاقمت أكثر لأن الشركات العقارية لم تستطع تخفيض أسعار الشقق بحجة ارتفاع الكلف عليها. وبسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع نمو الاقتصاد ولعوامل أخرى غير اقتصادية تراجع الطلب على العقار فحصل ركود في هذا القطاع. ولكن هذا الركود كان واضحاً أكثر في القطاع التجاري منه في السكني بسبب النمو السكاني.
والخلاصة هي كما يلي: إن ارتفاع كلفة الأراضي وكلفة البناء يعني أن سعر الشقة سيكون مرتفعاً، وهذا يعني أن مبلغ القرض البنكي المطلوب سيكون كبيراً وأعباء تسديده ستكون مقبولة في بداية عمر القرض، الا أنها سترتفع بعد قدوم الطفل الأول والثاني والثالث، ولكن هذه المشكلة لا يتحملها البنك بداية. فما الحل؟
المطلوب انتعاش اقتصادي يعمل على زيادة الرواتب ودخل الاسر وتوفير شقق سكنية بمساحات صغيرة وتخفيض معدلات النمو السكاني وتوفير مصادر تمويل عقاري أخرى غير تقليدية، حتى لا نلقي باللوم على طرف معين بل نضع أصبعنا على جذر المشكلة ونبدأ بحلها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock