فكر وأديان

جذور الأصولية

د. هاشم غرايبة

يعتقد كثيرون أن ظاهرة السلفية أو الأصولية أو الماضوية حديثة، والحقيقة أنها موجودة من عصور قديمة وبصور مختلفة، وليست مرتبطة بأمة معينة، لكن تم تسايط الضوء عليها حديثا على اعتبار أنها مقصورة على الاسلام المتطرف تمهيدا للحرب على الإرهاب ومسوغا لها.
بالعودة الى التعريف نجد أن هذا المصطلح يعني العودة الى الأصول التي نشأت بها (الأيديولوجيا) أو المذهب الفكري أو العقيدة، كما تعني الإلتزام بما طبق به الأسلاف هذه الأيدلوجيا في نشأتها.
هذا الالتزام دافعه القلق والخوف على المعتقد من الضياع، لكنه يفضي الى التشدد في التطبيق أو الغلو في الفهم، مما يعني إغلاق أبواب الاجتهاد أو التفسير المتماشي مع التطور وبالتالي الجمود.
أما خطورته فتكمن في تمرير مصالح لبعض المغرضين، بسبب دسها في المعتقد وإكسابها قدسية مزيفة، وبذلك نجاتها من المراجعة والتدقيق.
لم تقتصر هذه الظاهرة على الإسلام الذي ناله من سلبياتها الكثير على مدار تاريخه، رغم أنه نشأت على ضفافها فلسفات ومذاهب أغنت الفكر الاسلامي مثل السلفية العلمية والجماعات الدعوية، إلا أن ما خدم الدعاية التحريضية ضد الاسلام كان نشوء الجماعات التكفيرية والجهادية المتطرفة المنبثقة من الفكر السلفي.
غير أنه من التحيز والظلم تضخيم أعمال هذه الجماعات والانجرار خلف الضخ الاعلامي الجائر بكل ما يتعلق بها وإغماض العيون عما سواها من المتطرفين لغرض تصويرها بالشر المطلق دونا عن غيرها.
هنالك العديد من الجماعات الإرهابية مارست من العنف أكثر بكثير من المتطرفين الإسلاميين، من أمثال جماعات (كوكلوكس كلان) الأميركية، وجيش الرب في أفريقيا، والفايكنج في أوروبا، والعصابات الاستئصالية في راوندا، والعصابات اليمينية في أوروبا والفلبين وميانمار والخمير الحمر والماو ماو، كما ضرب الإعلام صفحا عن الحروب القائمة على الهوية الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت طوال عقود في أوروبا، مثلما تناسى العنف الذي قام به الجيش الأحمر الياباني والكتائب الثورية الإيطالية والجيش الجمهوري الإيرلندي.
فيما يتعلق بعدد الضحايا التي استهدفها (العنف الثوري)، فقد نفذت جماعة “بادر ماينهوف” الشيوعية الألمانية وحدها سبعا وعشرين عملية خلال الفترة 1971 – 1993 في ألمانيا وأوروبا، حصدت أعدادا من الضحايا تفوق حصيلة عمليات القاعدة (باستثناء تفجيرات نيويورك المنسوبة ظلما للقاعدة)، مع ذلك لم نسمع العويل ولا التباكي على الضحايا.
بل كل ما تم من عنف طوال القرون الماضية في العالم (ما عدا الحروب الاستعمارية القائمة على أطماع اقتصادية) كان على خلفية أصولية اعتمدت على تفسيرات أيديولوجية محددة.
ومع ذلك فإن أخطر الأصوليات على البشرية في العصر الحديث هي: الأصولية المسيحية الصهيونية، لأنها قائمة على مبدأ إحلال شعب مكان شعب (الوعد الإلهي للشعب المختار) وتسويغ كل ما من شأنه تحقيق هذا الهدف، وعلى فرضية مغرقة في الأصولية المأسطره المبنية على فرضية أن المسيح الحقيقي (اليهودي) لم ينزل بعد وأن نزوله مرتبط ببناء الهيكل في القدس حيث سيقود معركة (ارمجدون) التي يقضي بها على الوثنيين (سكان المنطقة من غير اليهود).
عرف هذا المذهب في أوروبا العام 1520م مع ظهور الحركة البروتستانتية بزعامة الراهب الألماني “مارتن لوثر”، الذي احدث ثورة داخل الكنيسة الكاثوليكية، ويعتبر الانقلاب الثاني على المعتقدات المسيحية، في حين أن الانقلاب الأول كان على يد “بولس”.
ارتكزت نظريته على تغيير النظرة لصالح الحركة الصهيونية، ورفع مكانة الشعب اليهودي بجعل الكتاب المقدس عند المسيحيين جزئين: العهد القديم (التوراة) والعهد الجديد (الإنجيل)، واعتبار اللغة العبرية لغة مقدسة.
لم يتقبل الأوروبيون هذا المذهب بسهولة على العكس من الأميركيين، حتى أصبحت الآن هي الأوسع انتشارا بعد أن اعتنقها كبار الشيوخ من الحزب الجمهوري وبعض الشيوخ الديمقراطيين، وأصبح مسمى حركتهم: “المحافظون الجدد”، وباتت السياسة الأميركية تسير وفق رؤى هذا المذهب.
أبرز قادتهم القس “جيري فالويل” الذي نظم رحلة إلى الأراضي المقدسة على نفقته للمئات من المسيحيين الأميركيين في 1983، ومنهم الكاتبة الأميركية “غريس هالسل” التي كتبت عقب عودتها: “استغرب كيف أصبح اليهود في نظر المسيحيين الأصوليين الأميركيين أقرب وأهم من المسيحيين الآخرين، بمن فيهم المسيحيون الفلسطينيون، وكيف هم مستعدون لتقبل نقد موجه لفرنسا أو إنجلترا، أو ألمانيا، أو إيطاليا، أو الولايات المتحدة، أو أي بلد آخر في العالم، لأن ذلك شأن سياسي، أما نقد إسرائيل فهو يساوي عندهم نقد الرب ذاته”.
في البيان الصادر عن المؤتمر الدولي الأول للمسيحية الصهيونية المنعقدة في بازل بسويسرا في آب 1985 ، نصت المقدمة على: “نحن المندوبون المجتمعين هنا أمم مختلفة وانتماءات كنسية عديدة في نفس القاعة التي وضع فيها تيودور هرتسل والمندوبين المجتمعين معه في المؤتمر الصهيوني الأول منذ 88 عاماً الأسس لبعث دولة إسرائيل، قد التقينا معاً لنبتهل إلى الله ونتوسل اليه، ونقر بالتزامنا الكبير نحو (إسرائيل) شعباً وأرضاً وإيماناً، ونؤكد على تضامننا معها”.
ونص البيان الختامي للمؤتمر في البند الرابع عشر على : ” نصلي من اجل اتيان ملكوت الرب، نصلي ونترقب بشغف ذلك اليوم الذي تصبح فيه أورشليم وجبل الرب مركز اهتمام الجنس البشري عندما يتحول ملكوت الله إلى حقيقة واقعة: “وَيَكُونُ فِي آخِرِ الأَيَّامِ أَنَّ جَبَلَ بَيْتِ الرَّبِّ يَكُونُ ثَابِتًا فِي رَأْسِ الْجِبَالِ، وَيَرْتَفِعُ فَوْقَ التِّلاَلِ، وَتَجْرِي إِلَيْهِ شُعُوبٌ. وَتَسِيرُ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ وَيَقُولُونَ: هَلُمَّ نَصْعَدْ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ، وَإِلَى بَيْتِ إِلهِ يَعْقُوبَ، فَيُعَلِّمَنَا مِنْ طُرُقِهِ، وَنَسْلُكَ فِي سُبُلِهِ. لأَنَّهُ مِنْ صِهْيَونَ تَخْرُجُ الشَّرِيعَةُ، وَمِنْ أُورُشَلِيمَ كَلِمَةُ الرَّبِّ.[سفر ميخا4: 1، 2]..
كما جاء في البيان الختامي للمؤتمر الدولي الثاني للمسيحية الصهيونية المنعقدة في القدس في الفترة ما بين 10 – 15 نيسان 1988: ” إن المسيحية الصهيونية هي صهيونية توراتية أمينة على الكتاب المقدس وتؤكد على تحقيق أهدافه النبوية التي ستبلغ منتهاها لدى عودة المسَيح إلى أورشليم . وبناء على ذلك فإننا نستنتج من الكتاب المقدس أن الله يحب شعبه ، وانه أناط به مسؤولية وحق امتلاك ارض الميعاد وأعمارها بل وحكم سكانها بموجب كلمته الإلهية “.
الخلاصة: مما سبق يتضح أن التركيز الإعلامي على الأصولية الاسلامية وتضخيمها له أسباب أهمها التعمية عن الأصوليات التي عانى منها العالم وما يزال وخاصة تلك الأخطر وهي المسيحية الصهيونية لأنها متسلحة بالقوة الأميركية، كما أن المساهمة الإعلامية العربية في هذه الزفة غير المقدسة تحت إغراء التخلص من الإسلاميين لا يخدم في النهاية إلا المشروع الصهيوني في منطقتنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock