أفكار ومواقف

جذور التحولات غير المكتملة

يقال ان اسوأ الثورات هي تلك غير المكتملة لأن الثورة قد تتحول الى كارثة، السؤال اليوم كيف اصبحت التحولات العربية منذ عقود سلسلة من الكوارث انتهاء بحالة التطبيع المجاني وبدء العد التنازلي لتصفية الصراع التاريخي في المنطقة والخروج من مواسم ومشاريع الاصلاح السياسي والاقتصادي بدون طائل وبالمزيد من الهدر التاريخي والحضاري.
السائد في تفسير الحالة الصعبة التي تمر فيها المجتمعات العربية، إحالة هذه الأوضاع، بما تنطوي عليه من ردة سياسية واجتماعية، إلى ثلاث حلقات أساسية. الأقرب منها، تحولات ما سمي “الربيع العربي”، وما انتهت إليه الظروف من حالة فوضى غير مسبوقة. أما الحلقة الثانية، فتعود إلى مرحلة ما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، وتصاعد الحرب على الإرهاب. فيما الحلقة الأقدم تعود إلى التسعينيات من القرن الماضي، بعد تصاعد تأثير المجاهدين العائدين من أفغانستان، وتفريخهم تنظيمات تكفيرية جديدة.
ما لم نبحثه بشكل جدي أن جذر معظم تحولات المنطقة يعود إلى حقبة أقدم، في عقد واحد تحديدا؛ هو ذاك الممتد بين بدايات السبعينيات وبدايات الثمانينيات. ففي تلك الحقبة، يمكن رصد ثلاثة تحولات استراتيجية كبرى غير مكتملة، شكلت حقل الفخاخ الذي ما يزال يعد بالمزيد من الانفجارات.
التحول الأول، هو بداية التسوية السياسية للصراع العربي-الإسرائيلي. وهو مسار ولد غير ناضج وغير مكتمل، وما يزال منذ ثلاثة عقود ونصف العقد يولّد في كل يوم المزيد من الصراعات والاختناقات التي تلف المنطقة بأكملها، وتذهب باتجاه واحد هو تصفية القضية الفلسطينية، والمشكلة ليست في فكرة السلام او التسوية بل في ان المشروع غير ناضج وغير مكتمل وهنا العقدة.
أما التحول الثاني، فيتمثل في بروز مشاريع الإصلاح والانفتاح والتحول الديمقراطي غير الناضجة أو المكتملة، والتي تحولت بدورها إلى حقل أفخاخ من نوع آخر، يوظف من الداخل والخارج. فيما يتجسد التحول الثالث في ظهور تيارات الإسلام السياسي، واستخدامها سياسيا من قبل النظم السياسية والقوى الدولية.
هذه التحولات الكبرى التي طالما اشتبكت مع الخيال الشعبي، وتطلعات الفئات العريضة للطبقة الوسطى العربية، جاءت -للأسف- غير ناضجة، ومشوهة ومشبوهة. فلطالما شكل هاجس حسم الصراع مع إسرائيل بالحرب أو التسوية، أولوية مكتومة؛ ولطالما كان حلم الاندماج في العالم والتحول الديمقراطي غاية معلنة. فيما بقي الإسلام يحتل مكانة مرموقة في الإدراك الشعبي للطبقة الوسطى في بحثها عن النموذج، والتصاقها الكبير بالماضي والذاكرة.
الغريب أن هذه التحولات الثلاثة الكبرى التي تبلورت في حقبة واحدة، وما نزال أسرى لها، ارتبطت برجل واحد هو محمد أنور السادات؛ أكثر الزعماء العرب المعاصرين إثارة للخلاف والجدل، وواحد من أكثر زعماء العالم المعاصر ذكاءً وفطنة وجرأة وقدرة على المناورة والمقامرة. ما تزال المنطقة أسيرة حقبة السادات، ولم تحدث قطيعة حقيقية معها. إذ ما تزال القوانين الأساسية التي تحرك السياستين الإقليمية والدولية في هذا الجزء من العالم، من إنتاج تلك الحقبة بامتياز كامل.
بالفعل، المنطقة ما تزال أسيرة لتفاعلات سياسية وصراعية عمرها ثلاثة عقود، يزيد بعضها عن ذلك أو يقل قليلا. وجميعها زرعت في حقبة السبعينيات من القرن الماضي. فما تزال الحروب الصغيرة والكبيرة مقدمة لتحريك طاولة المفاوضات وجمع الشمل حولها، طبعاً مع الفارق الضخم بين حروب تكتيكية صغيرة وحروب كبيرة.
فمنذ أن مارس السادات تغيير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط أكثر مرة، بقيت المنطقة تسير على مسطرة تلك القواعد ولم تغيرها كثيرا. وهذه حقيقة يثبتها التاريخ، قبلناها أم رفضناها؛ السلام البارد، والتسوية المنتظرة، وحروب الانتصارات والتحريك وإزاحة دفة الصراع هنا أو هناك، وصراخ الديمقراطية والانفتاح، ثم “دولة العلم والإيمان” والمقامرة بمشاعر الناس الدينية، وتحويلها إلى وقود للسياسة والحروب.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock