الطفيلة

جرف الدراويش: فقر وبطالة وعزلة وأمراض- فيديو

فيصل القطامين

الطفيلة – في منطقة قست عليها عوامل الإهمال، حتى باتت شبه منسية، يواجه قرابة 5 آلاف مواطن نصفهم يهيمون بين رمال الصحراء مع بقايا قطعان من الماشية هي كل ما يملكونه، أشد حالات العوز والفقر ومعاناة نقص الخدمات، هم باختصار أشخاص مهمشون، يقفون بعيدا عن أساسيات العيش الكريم، تبددت أحلامهم بتغير حالهم بعد أن وجدوا أنفسهم بحالة شبه عزلة.
القصة بدأت عندما انتهت أهمية البلدة كحلقة وصل على طريق الطفيلة عمان بعد أن تم استحداث طريق الحسا، ليجد سكانها أنفسهم وبشكل تدريجي بعيدين كل البعد عن حياة التحضر والخدمات الضرورية، فمعظم بيوتهم ما زالت إما من البطون المتهالك أو الطين أو بيوت الشعر.
وبسبب موقعها على الطريق الصحراوي ومرور خط سكة الحديد الحجازي منها  تتميز بأهمية كبيرة كانت جرف الدراويش منذ العهد العثماني، إلا أنها تلاشت نتيجة تحويل الطريق من الطفيلة إلى عمان بعد إنشاء طريق الطفيلة الحسا.
ويقول رئيس المجلس المحلي لمنطقة جرف الدراويش حسن ظاهر البينان في وصفه لحال البلدة، إن جرف الدراويش منطقة تعاني الإهمال وتحتاج لجهود حثيثة لإنقاذ أهلها من معاناة الفقر والبطالة وتردي الخدمات في معظم القطاعات.
 ويؤكد البنيان على ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب ولكنها ترتفع بشكل أكبر بين الفتيات، بما يشكل أكبر مشكلة تواجه الشباب في البلدة، رغم أن العديد منهم أكمل تعليمه في ظل ظروف قاسية، إلا أنها لم تشفع لهم في إيجاد أي عمل في بلدة صحراوية شبه معزولة.
ويدعو إلى توجيه برامج استثمارية في البلدة، إلى جانب تكثيف الاهتمام الحكومي بالخدمات والمشاريع المختلفة التي يمكن أن ترتقي بمستوى معيشة السكان. 
البطالة التي يعانيها غالبية شباب البلدة تكاد تكون بسيطة مقارنة بمشاكل اسر كاملة لا تعرف طعم الشبع، تعاني الأمرين، ومعضلة الفقر، وآلام المرض.
سند صبيح المناعيين، يقطن بيت الشعر حول بلدة جرف الدراويش ويعيل أسرة مكونة من ستة أفراد ثلاثة منهم يعانون من الضمور الدماغي،  فيما جل ما يتقاضاه سبعين دينارا بالشهر من صندوق المعونة الوطنية.
يقول المناعيين، إنه يئس من إيجاد أي عمل بالبلدة التي تفتقد لفرص العمل، سيما وانه مصاب بمرض تسارع دقات القلب ولا يستطيع العمل إلا بشكل محدود.
ويضيف، أن راتب المعونة الوطنية بالكاد يكفي لشراء حليب لأطفاله الصغار، وأنه لا يمتلك من مقومات الحياة شيئا، إذ أنه يعجز أحيانا كثيرة عن شراء الخبز وأبسط أنواع الطعام، ويعتمد على ما يقدمه أشقاؤه من طعام لأسرته، واصفا أوضاعه “بالحرجة”.
جبر محمد العنزي هو الآخر رب أسرة مكونة من 11 فردا، متقاعد ويتقاضى 300 دينار موزعة على عدة جهات مقرضة، ولا يتبقى منه شيء، يقول إنه لا يتقاضى أي معونة بحجة أن لديه راتبا تقاعديا، وهو في الواقع موزع على الجهات الدائنة.
ويتابع العنزي أنه لا توجد أي فرص عمل في منطقة جرف الدراويش تساعد أبناء المنطقة، فيما الشباب قابعون بدون عمل ولديهم أسر يقومون على رعايتها.
حالتان تجسدان المعنى الحقيقي للعوز، وتكشفان عن قصص لأسر تبيت وبطونها خاوية وجل أحلامها العيش كبقية المواطنين البسطاء، هم لا يحلمون بأبعد من ذلك، إذ أن حدود معرفتهم بالعالم الخارجي تكاد تكون محصورة بين غبار رمال الصحراء التي لفت البلدة بوحشة، تحتاج إلى جهود حكومات متعاقبة لإزالتها.
أطفال الدراويش ليسوا أحسن حالا، إذ طالهم أيضا الحرمان وقسوة الحياة، فمدارسهم تعاني أوضاعا متردية، وتخلو البلدة من أي مرفق ترفيهي، فيما تكبر معاناتهم كلما قطعوا شوطا من حياة الحرمان، اذ ان مشوار الطفولة وإنهاء المرحلة المدرسية سيصطدم لا محال بمعاناة إكمال الدراسة لصعوبة الوصول الى مدينة الطفيلة وضيق الحال، او مشقة البحث عن وظائف وهمية غير موجودة.
وتبتعد جرف الدراويش عن أقرب مركز خدمات شبه متطور قرابة 50 كلم ذهابا وإيابا وهي منطقة الحسا، فيما يحتاج القاطن “بالجرف” الى قطع مسافة 90 كلم للوصول الى مدينة الطفيلة الأمر الذي يكاد يشبه الخروج من محافظة الى أخرى، فيما الكارثة الحقيقية هي افتقار البلدة لخدمة المواصلات العامة. 
وعلى وقع هذا الحال، يجهد طلبة الجرف ممن عزموا على إكمال دراستهم الجامعية بالوصول الى جامعتهم كل يوم، اذ إنهم يضطرون الى استئجار مواصلات خاصة للوصول وهو الأمر المكلف ماديا في ظل معاناة غالبيتهم من أوضاع مالية صعبة.
 فاطمة الكعابنة رئيسة جمعية سيدات جرف الدراويش الخيرية تقول إن الجمعية رغم أوضاعها المالية المتواضعة تقدم دعما بسيطا لبعض الأسر المحتاجة، عدا عن إقامتها لمشاريع صغيرة تستفيد منها تلك الأسر كمشروع تصنيع الألبان والخبز البلدي ومشروع لوازم الأفراح.
 وتسعى الجمعية وفق الكعابنة إلى إقامة بيوت بلاستيكية وزراعة أصناف معينة من الخضار للسوق المحلي بما يخلق فرص عمل للشباب، إلى جانب إنشاء محفظة إقراضية رأسمالها 45 ألف دينار لتقديم القروض البسيطة لربات المنازل.
ويبقى ما تقدمه الجمعية لا يفي بالغرض، فيما تنتظر البلدة مزيدا من الاهتمام الحكومي، وانجاز برامج الحد من الفقر والبطالة التي تجاوزت نسبتها وفق إحصائيات رسمية 18 %. 
 تشكل جرف الدراويش البلدة الصحراوية جيبا بارزا من جيوب الفقر، بسبب ارتفاع معدلات البطالة فيها التي تزيد على 18 % وتتضح أكثر لدى الإناث، بما يرفع من نسبة الفقر إلى نحو 20 %، في ظل انعدام فرص العمل أمام السكان الذين كانوا يعتمدون على تربية المواشي كمهنة أساسية، غير أن غالبيتهم هجروها بعد أن أصبحت مهنة غير مجدية.
 وتشير أرقام رسمية إلى اعتماد معظم سكان “جرف الدراويش” على مساعدات صندوق المعونة الوطنية، التي بالكاد تكفي أساسيات الحياة، في ظل ارتفاع كلف المعيشة.
ووفق مدير مكتب التنمية الاجتماعية في جرف الدروايش فان سبعين أسرة بنسبة 14 % من عدد السكان تتقاضى معونة شهرية.   
ويبرر العديد من أبناء المنطقة اعتمادهم على المعونة الوطنية، بعدم وجود فرص عمل حقيقية، نتيجة قلة المشاريع، فيما يمارس قلة منهم مهنة الرعي أو قيادة الشاحنات التي تعتبر الأعمال الموسمية وتتوقف من حين لآخر، فيما مهنة الزراعة تكاد تكون شبه معدومة نتيجة عدم صلاحية أراضي جرف الدراويش  الصحراوية وقلة المياه.
ويسرد مساعد رئيس مجلس محافظة الطفيلة الدكتور قاسم العقار من سكان المنطقة معاناة قرية الجرف الحالية والتي كانت على مر التاريخ معبرا للطرق كالطريق الصحراوي وطريق الطفيلة عمان وزاد من أهميتها تاريخيا مرور سكة الحديد الحجازي منها منذ تأسيسها أيام الدولة العثمانية.
العقار يرى بأن البلدة تتوفر فيها خدمات أساسية غير أنها بمستوى متواضع كالمدارس التي لا يزيد عددها على ثلاث، ولا تسد الحاجة بسبب اقتصارها على صفوف معينة، فيما مدرسة مستأجرة أساسية تقع في غرب البلدة لا يطابق بناؤها شروط التعليم الحقيقي.
 ويقول إن عملية دمج المدارس أثرت وبشكل ملحوظ على أبناء وبنات المنطقة، حيث يضطر العديد منهم للانتقال إلى مدارس في الحسا أو الطفيلة البعيدة عنهم أكثر من 60 كم جيئة وذهابا.
 وأكد أن الفتيات غالبا لا يكملن تعليمهن بسبب عملية دمج المدارس التي تضطرهن إلى الانتقال إلى الحسا بكل تلك المسافة الطويلة، والتي تدفع ذويهن إلى الاستغناء عن تدريسهن لأسباب تتعلق بالعادات والتقاليد.
 وأشار إلى مطالبات عديدة من سكان القرية بالتخلص من الدمج، حيث استجابت الوزارة لمطلبهم، وأعيد طلبة الصف الثاني الثانوي المنقولين إلى مدرستهم، فيما لم تواجه الفتيات تلك المشكلة لينتظم الطلبة بدراستهم في مدارس قريتهم.
 وأضاف العقار أن الخدمات الصحية محصورة بمركز صحي بالكاد يقدم الخدمات الصحية الأولية البسيطة وبدوام ينتهي عند الساعة الثانية عشرة وبكادر طبي وتمريضي متواضع، فيما عدا ذلك فإن المواطن يضطر للانتقال إلى مدينة الطفيلة لتلقي العلاج في مستشفى الأمير زيد بن الحسين بما يحمله عناء الانتقال.
 وبين أن أغلب المواطنين البالغ عددهم نحو 5 آلاف نسمة نصفهم ما زال يمارس الترحال مع بقية قطعان مواش يمتلكونها، يتحملون كلف إطعامها المرتفع بسبب تراجع كميات الأمطار والتي أحالت مراعي واسعة إلى صحراء.
 ولفت إلى أن مربي الماشية يواجهون مشكلة في تأمين المياه لمواشيهم، إلا من خلال بئر متواضعة في البلدة، فيما يضطر المتنقلون منهم إلى تزويد مواشيهم عبر صهاريج تتنقل مع انتقال المواشي في المناطق النائية.
 وأشار إلى وجود مكتب للتنمية الاجتماعية، من خلاله يتم تقديم المعونة الوطنية للمحتاجين من السكان، الذين أغلبهم يحتاج إلى تقديم العون، نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهونها.
 ولفت إلى انعدام المرافق الشبابية كالملاعب والأندية الشبابية، والتي يجب أن تتوفر في البلدة لعدم وجود أي وسائل لاستقطاب نشاطات الشباب وتكون مصدر ترفيه لهم حتى لو كان متواضعا.
 ويوجد بالقرية مكب للنفايات تابع لمحافظة الطفيلة، ويشكل تهديدا بيئيا خطيرا على المنطقة، ويعد مصدرا لتكاثر وانتشار الحشرات الضارة المختلفة.
ويؤكد العقار أن المكب تلقى فيه النفايات السائلة بالرغم من عدم تأهيله ليكون مكبا للنفايات الصلبة.
 ودعا العقار الحكومة إلى زيادة الاهتمام بتلك المنطقة التي باتت تتلاشى ويهجرها سكانها بحثا عن مصادر للرزق  وعن مستوى أفضل من الخدمات، والتي عزلت بعد تحول الطريق عن البلدة إلى طريق الطفيلة الحسا الجديدة.
 مطالبات العقار التي يحلم بتحقيقها ابناء الدراويش لا تغيب عن متصرف لواء الحسا  الدكتور صالح الحباشنة.
ويقول الحباشنة إن بلدة جرف الدراويش تعاني العديد من المشكلات كارتفاع نسبة البطالة والفقر التي تتراوح بين 18 % – 20 %، مرجعا ذلك إلى قلة المشاريع الاستثمارية، وعدم قدرة العديد من الشباب على إكمال تعليمهم، نتيجة العديد من الظروف وعزوف البعض منهم عن مهنة تربية المواشي التي كانت تشكل مهنة أساسية يعتمد عليها الكثير.
ويلفت أن العديد من أبناء المنطقة يعملون في منجم فوسفات الحسا بوظائف غير فنية، وهو المجال الوحيد لهم الذي يوفر فرص عمل مع تراجع في أعدادهم نتيجة التقاعد.
 ولعل كل ما بجعبة الحباشنة للقرية هو استذكاره لما تقدمه البلدية من مشاريع تبدو متواضعة، ومنها إقامة قاعة متعددة الأغراض بكلفة 65 ألف دينار  إلى جانب مشروعات لتحسين وتعبيد الطرق الفرعية في البلدة، رغم ان البلدة تعاني من طرق مهترئة وغير معبدة، وفق غالبية سكانها.
ويقر الحباشنة بأهمية إيجاد بناء مدرسي للحي الغربي من القرية، كون المبنى الحالي للمدرسة الأساسية مستأجرا ولا يفي بالغرض.
وأشار إلى جهود حكومية لحل مشكلة البطالة، من خلال المشروع الوطني للتشغيل، الذي تنفذه القوات المسلحة، ويدرب على مهن متعددة ويؤمن فرص عمل حقيقية للمتعطلين عن العمل حيث تم استقطاب نحو 30 شابا من أبناء البلدة في مشروع التدريب والتشغيل على مهن يطلبها سوق العمل والذين سيؤمنون بوظائف في شركات مختلفة بالمهن التي تدربوا عليها. 
وحول مشاكل مربي الماشية، قال الحباشنة إن إدارة المياه بالتعاون مع وزارة الزراعة قامت من خلال مشروع مكافحة الجفاف، بإيجاد بئرين للماء في منطقة التوانة وآخر في نفس البلدة، لتأمين قطعان المواشي بالمياه وبشكل مجاني.
 وبين أن المكارم الملكية طالت كافة المناطق في الطفيلة ومنها جرف الدراويش، لافتا إلى إنشاء 13 مسكنا للفقراء من خلال مكرمة الملك عبدالله الثاني لإيجاد مساكن للأسر العفيفة، تم تسليمها للمستحقين في العام 2012 ، إلى جانب تقديم المعونة الوطنية للأسر والأشخاص المعوزين  من أبناء البلدة. 
وبتقديم 13 منزلا يختم الحباشنة حديثه عن كل ما قدمته الجهات المعنية لمساعدة 5 آلاف مواطن، يعيش نصفهم حياة الترحال والباقي بشبه عزلة ينتظرون مزيدا من الاهتمام للإحساس بوجودهم على خريطة المملكة.  

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock