أفكار ومواقف

جريمة افتراضية

لم يعد مستغربا ان تزاحم اخبار الجرائم الإلكترونية وتلك المرتكبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات الواسعة للشبكة العنكبوتية، اخبار الجرائم التقليدية، من قتل وسرقة ومخدرات ونصب واحتيال، على صفحات الصحف والمواقع الاخبارية، فالتطور الرقمي وثورة الاتصالات واتساع التفاعل المجتمعي مع مواقع التواصل وتطبيقاتها، تستتبع بالضرورة، فتح افاق جديدة للجريمة والمجرمين.
وحدة الجرائم الإلكترونية في البحث الجنائي بمديرية الأمن العام سجلت العام الماضي 2035 جريمة إلكترونية، غالبيتها كانت جرائم تشهير وتهديد وابتزاز إلكتروني، فيما كان بينها 161 قضية مالية ومصرفية، و216 قضية ملكية فكرية، بحسب ارقام الأمن العام.
يمكن تلمس توسع عالم الجريمة عبر استغلال الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل، عبر المقارنة بحجم وعدد الجرائم الإلكترونية المسجلة في المملكة بين العام المنصرم (2035 جريمة) وبين العام 2008، الذي اسست فيه وحدة الجرائم الإلكترونية، حيث سجلت فيه فقط 12 جريمة إلكترونية.
بعض القضايا التي نشرت تفاصيلها وحدة الجرائم الإلكترونية كانت صادمة، كما في قصة محاولة الاستغلال الجنسي لاطفال عبر التحايل من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، فيما خضع رجال ونساء لعمليات ابتزاز تحت سيف التشهير عبر استغلال ما ينشر عبر الصفحات الخاصة في مواقع التواصل، او عبر الوقوع في حبائل بعض المحترفين والمحترفات بقضايا الابتزاز والاحتيال.
ما يمكن الجزم به، وفق العديد من المؤشرات، هو ان عددا كبيرا من القضايا، التي يتعرض فيها مستخدمون لمشاكل ابتزاز او استغلال او غيرها من جرائم، تبقى حبيسة الصدور والفضاء الالكتروني، ولا تجد طريقها الى التسجيل رسميا أمام الجهات الأمنية، تجنبا للفضيحة واللوم الاجتماعي، أو لاسباب اخرى.
الثابت اليوم ان هذا العالم الافتراضي الواسع والطاغي على كل شؤون حياتنا يفيض بالاسرار، وبالجرائم وبمحاولات الايقاع بضحايا جدد، فالجريمة، كما باقي شؤون الحياة، تتطور مع تطور وتقدم العلم وتطبيقاته! وقد يكون الاخطر في هذا السياق، هو التواجد الواسع للاطفال والمراهقين والمراهقات في هذا العالم الافتراضي الرحب، ما يعرضهم، أكثر من غيرهم، لاخطاره ومكائده.
أردنيا، تبدو هذه المشكلة مهمة، وتستحق التوقف مليا عندها، اذا ما علمنا ان حجم الاقبال والاستخدام لمواقع التواصل والهواتف الذكية، بتطبيقاتها المتشعبة، يعد مرتفعا بصورة لافتة، إذ تشير احصائيات حديثة الى ان الأردنيين يقبلون بنهم على استخدام معظم شبكات التواصل الاجتماعي، ويقدر تعداد حسابات الأردنيين على خمس شبكات تواصل رئيسة بنحو سبعة ملايين حساب، يتصدرها طبعا موقع “فيسبوك” بحصيلة 4.1 مليون حساب لاردنيين. ويساعد في انتشار التفاعل مع مواقع التواصل بين الأردنيين ارتفاع نسبة انتشار الهواتف الذكية، حيث تصل النسبة الى 70 % من اجمالي مستخدمي الهواتف المتنقلة في الاردن.
قد تكون المشكلة الاكبر التي باتت ملموسة اليوم في هذا السياق هي مشكلة الادمان على استخدام مواقع التواصل والعيش في العالم الافتراضي، وهي مشكلة لا تقل خطورة، بحسب بعض الدراسات العلمية، عن خطورة الادمان على الادوية والمخدرات، من ناحية صعوبة الاقلاع عنها، واثارها الاجتماعية والنفسية الخطيرة.
ادمان العالم الافتراضي قد يكون قمة الجبل الجليدي، فيما يحمل الماء تحته ابوابا واسعة لمخالفات قانونية وجرائم ترتكب، وضحايا تقع هنا وهناك.
ربما لكل ذلك يبدو طبيعيا أن يبادر الأمن العام لاطلاق حملة توعوية لمكافحة الجرائم الإلكترونية بالتعاون مع 14 جامعة أردنية، وهو جهد مهم، لكن العالم الافتراضي للأردنيين ربما كان اليوم بحاجة لجهود أكبر واوسع، وبما يطال مختلف الشرائح الاجتماعية، للحد من الآثار السلبية للغوص بهذا العالم، أو من الوقوع في بعض جرائمه.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock