فنون

“جزيرة الذرة”: المكان ينحي بطولة الشخصيات

إسراء الردايدة

عمان- في الفيلم الجورجي “جزيرة الذرة” لمخرجه جورج أوفاشفيلي، حمل لغة بصرية مذهلة من خلال الاعتماد على المحيط ليخدم العناصر الأخرى بمرافقة الكاميرا، ليعكس علاقة المكان بالإنسان أو الشخصيات.
وكان الفيلم عرض في مهرجان أبوظبي في دورته الثامنة التي اختتمت فعاليتها في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، كما بلغ قائمة الترشيحات للأكاديمة الأميركية للعلوم والفنون “الاوسكار” في دروتها الـ87 للأفلام الأجنبية، التي ضمت تسعة من بين 83 فيلماً تمثل مختلف دول العالم في قائمة الأفلام المرشحة للجائزة، والتي تمنح للأفلام من خارج هوليوود.
وفي “جزيرة الذرة”، الذي تدور أحداثه في جورجيا على ضفاف نهر انجوري، الذي يفصل بين جورجيا وابخازيا، حيث تزرع الذرة في تلك المنطقة حين يقل منسوب النهر، ليستغلها الفلاحون لزراعة مخزونهم من الذرة لفصل الشتاء القاسي.
أبطال الفيلم هم جد وحفيدته؛ حيث لعب دور الجد الممثل التركي الياس سامان، بدور الجد ولعبت دور الحفيدة الممثلة مريام بوتورشفيلي، فيما خدمت ملامحهما الدور الموكل لكليهما، فالجد يحمل تلك الملامح القاسية التي استمدت كل تعابير وجهه من قسوة الحياة وما جابهه حتى تلك اللحظة، بينما الحفيدة تعكس تلك البراءة التي يكد الجد للحفاظ عليها من جهة وارتباطها في محيطها من جهة أخرى.
لكن الطريقة التي قدمت فيها هذه الأحداث للفيلم الذي فاز بالجائزة الأولى في مهرجان مهرجان كارلوفي فاري، تركز على العلاقة بين الشخصيات والمكان، من خلال حركة الكاميرا وبالاستعانة بالموسيقى لترسم محاكاة لتلك العلاقة المعقدة لتكيف الإنسان في بيئته فيتحول المكان لبطل رئيسي، فيما الشخصيات تتحول إلى بطل وعامل ثانوي وسط غياب للحوار في مكان تصادم فيه الصراع للبقاء على قيد الحياة مع الصراع السياسي المعاصر.
فاختيار موسم الحصاد، في طبيعة وأرض خصبة وفي مكان يشهد نزاعا سياسيا وصراعا قويا، يلتقط بدون أي تعاطف تلك المعاناة التي يمر بها الفلاحون في تلك المنطقة، والتي تعكسها الحفيدة بدورها وكأنها نبتة سلام تمضي وقتا طويلا من خلال الكاميرا بالتحديق بجمال المحيط لأرض على ضفاف نهر يشكل حدوده الطبيعية بين جورجيا وابخازيا، فيما يشهد الجورجيون طردا وحشيا من أرضهم وقمعا وتهجيرا وقتلا.
بين محيط قاتل، تأتي الحياة من خلال نثر الجد بذور الذرة في أرض قاحلة يحرثها ويعتني بها لتصبح أرضا خصبة ويبني منزلا في مكان ليس له ويعتبره في رد على سؤال حفيدته بأن هذه الأرض الواسعة “ملك لله”.
وفي أرض مهددة بالفيضان، يوثق المخرج جورج أوفاشفيلي، كل مرحلة بدءا من تفاصيل بناء الكوخ وصولا لصيد السمك من النهر وحراثة الأرض وإقامة سدود مؤقتة لمنع التربة من الانجراف بعد تساقط الأمطار بغزارة، والتي تهدد تمزيق الأرض، حيث عمل الجد بيديه العاريتين وتلك الصور لرجل يكافح من أجل البقاء على قيد الحياة بطريقة بدائية، في صمت هيمن على غالبية مشاهد الفيلم، فهناك الكثير لنراه ويمكن الإعراب عنه بنظرة أو تتغاضى عنه.
وكون الجزيرة في المنتصف، فعكس اوفاشفيلي الصراع السياسي مع الحياة البدائية بذكاء، فنهر انغوري الفاصل، شهد الكثير من الدماء المسكوبة في نزاع بين هاتين البلدين في السنوات الأخيرة، ورغم عدم وجود مشاهد للمعارك في الفيلم، لكن الدوريات الأبخازية على أحد جوانب النهر مقابل الجورجية تعكس وجود التوتر الدائم في الهواء.
أما الموسيقى التي وضعها جوزيف بارداناشفيلينوسك وإدارة التصوير من قبل الهنغاري المير راجاليي، فأسهمت بشكل كبير في تحويل التقاط المشاهد الطبيعية مثل شروق الشمس وتساقط المطر التي بدت كمنحوته من العناصر الطبيعية نفسها، بمشاهد تدفق النهر وعناق ظلال الأشجار في الغابة، وسط الشخصيات التي تعيش في تواصل كامل معا بدون أي تدخل خارجي.
“جزيرة الذرة” هي تصوير لحياة نمو وانتهائها بفيضان النهر، مدمرا كل شيء وسط النزاع بين الطبيعة والحياة وبين السياسة والأرض، فيما الحياة تستمر للأجيال المقبلة، رغم قساوة الواقع في مشهد قدوم رجل جديد للجزيرة بعد انخفاض منسوب النهر من جديد وزراعته كما فعل غيره قبله.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock