آخر الأخبار حياتناحياتنا

“جلسات بلا روح”.. إدمان الهواتف يطال كل شيء

منى أبوحمور

عمان- كان قرارا حاسما اتخذته الحاجة خيرية عبدالله، بأن تربط زيارة أبنائها وأحفادها لبيتها، بترك هواتفهم الذكية بعيدا. وهو الأمر الذي بات مطبقا على كل من يقوم بزيارتها، إذ وضعت سلة قريبة من مدخل البيت، لجمع الهواتف وحينما تنتهي الزيارة يأخذ كل واحد منهم هاتفه ويذهب.
ذلك القرار لديها لم يأت من فراغ، إنما جاء بعد مراقبتها الدائمة لجميع أفراد عائلتها، حينما يلقون فقط عليها السلام، من عيونهم لا تغادر شاشات الهاتف طوال الزيارة. وقالت لهم ذات يوم “ما الذي أستفيده من زيارتكم لي إن كنتم لا تنظرون حتى إليّ أو تسألونني شيئا”؟
“الجلسات جميعها وبلا استثناء أصبحت بلا روح”، هكذا يرى أبو سفيان الوضع الذي وصل إليه غالبية الناس، وحالة الملل التي باتت مسيطرة في أغلب الأماكن التي يرتادها، بسبب “التعلق الشديد” لكل شخص يلتقي به، بهاتفه الذكي الذي لا يغادر يديه.
في المصعد والشارع وفي بيئة العمل وضمن جلسات الأصدقاء، والمحيط العائلي، يراقب أبو سفيان الجميع، وايديهم لا تغادرها الاجهزة، مبينا أن كل ما يتصفحونه ليس مهما، لكن أصبحت عادة لا تخلو من الإدمان، دون انتباه الشخص أن هنالك من يجلس معه ويتحدث معه، فهاتفه هو الأولوية.
استغراب كبير سيطر على خالد عيد الذي ألقى السلام على زميله في العمل وكان يلهو بهاتفه، ولم يرد عليه حتى السلام أو ربما لم يسمعه، فحواسه كامله تتوجه نحو شاشة هاتفه دون حتى أن ينتبه أن هنالك من مر من جانبه أو تحدث إليه.
لم تكن الحادثة الأولى التي حصلت مع خالد، فقد تكررت مرارا في مصعد العمارة التي يسكن بها عندما دخل وألقى السلام على اثنين من جيرانه اللذين لم يردا لانشغالهم بالهاتف المحمول.
يقول “في البداية عذرت زميلي في العمل.. اعتقدت أنه يبعث بريدا إلكترونيا مهما أو منشغل بالبورصة والتداول”، إلا أن تكرار الأمر ذاته في العمل ومكان السكن وحتى في الشارع أدهشه، وكأن الناس أصبحت “منقادة” خلف شاشات الهواتف.
الأمر ذاته لاحظته جود عبدالله التي فرضت على كل صديقاتها حينما يزرنها وضع الهاتف النقال جانبا قبل دخول المنزل، إذ لاحظت في كل مرة يأتين لزيارتها انشغالهن الدائم بالهواتف دون أن ينتبهن أن هنالك من يجلس معهن، فيعشن بعالمهن الخاص.
في حين يصف أمجد المشهد عند دخوله إلى باص النقل العام أشبه بدخوله إلى عالم رقمي، جميع ركاب الباص مشغولون بهواتفهم حتى الأطفال، ولا يوجد حتى مجيب على السلام.
الطريف بذلك بحسب أمجد، هو نسيان أحد الركاب مكان نزوله، فلم يسمع سائق الباص عندما أعلن عن أسماء محطات التوقف، الأمر الذي سبب خلافا بينهما، والمشكلة هي فعليا انشغاله بالهاتف طوال الوقت.
باحثون في الطب النفسي بينوا إن ربع الشباب أصبحوا متعلقين بالهواتف الذكية، ولا يستطيعون الاستغناء عنها، وصولا لدرجة الإدمان. وبينت الدراسة التي أجريت في كينغز كوليج في لندن، أن شدة الإدمان جعلت هؤلاء يشعرون “بالقلق” إن منعوا من استعمال الهاتف بصفة مستمرة، ما يؤثر سلبا على نشاطاتهم الأخرى في الحياة.
وتحذر الدراسة من تأثير هذا الإدمان “الخطير” على صحة هؤلاء الشباب النفسية وعلى حياتهم، والتسبب بالتوتر وقلة النوم والأداء الضعيف في المدرسة.
ويقول نيكولا كولك، أحد الباحثين المشاركين في الدراسة، “لا ندري إذا كانت الهواتف الذكية نفسها هي المشكلة أم التطبيقات التي يستعملها الناس، ومع ذلك فهناك حاجة ماسة إلى التوعية بخصوص استعمال الهواتف الذكية، وأن يعرف أولياء الأمور كم من الوقت يقضيه أولادهم في استعمال الهاتف.
ونبهت الباحثة سامونتا صون، المشاركة في الدراسة أيضا، إلى أن الإدمان على الهواتف الذكية “قد تكون له تبعات خطيرة على الصحة النفسية وعلى سلوك الأفراد في حياتهم اليومية”.
أما الباحثة إيمي أوربن، من جامعة كيمبريدج، فنبهت إلى الإفراط في استعمال الهواتف الذكية وارتباط ذلك بالاكتئاب.
من جهته يشير أخصائي علم الاجتماع الدكتور محمد جريبيع الى أن الهاتف الذكي أصبح يشكل أولى أولويات الانسان واهتماماته، وكأنه جزء من شخصيته وكيانه وذاكرته، وهذا ليس فقط بين الكبار وإنما أيضا بين الصغار.
ووفق جريبيع؛ “فإن هذه الظاهرة تشكل خطرا على العلاقات الاجتماعية والهوية الذاتية للشخص، لافتا إلى أن التعلق بالهاتف يحصر ذاكرة الإنسان ويحد من أهدافه فتصبح جميعها مرهونة بوجود هذا الهاتف.
ويؤكد جريبيع خطورة هذه الظاهرة اجتماعيا ونفسيا لاسيما وأن الهاتف ومع مرور الوقت يصبح هو مصدر المعلومة بالنسبة لحامله، وبالتالي يقضي على أي نوع من التواصل لاعتقاد الشخص أنه مكتف به عن الناس.
ويضيف “في هذا الوقت نحن بحاجة للعودة إلى الحياة الطبيعية وأن يكون الهاتف عاملا مساعدا لا أولوية في الحياة”.
ورافق التطور في التكنولوجيا واستخداماتها، مشاكل سلبية، بحسب أخصائي علم النفس التربوي الدكتور موسى مطارنة فقد أصبحت “عبئا على حياتنا اليومية” وأصبح الإنسان يعيش داخل عالم جديد لا يرتبط بالواقع.
استخدام الهاتف لم يعد للحاجة بحسب مطارنة، إذ لوحظ مؤخرا تعلق الناس المبالغ به وقضاء معظم الوقت على شاشة صغيرة، حتى عندما يجالسون أسرهم أو يستضيفون أحد أقاربهم، لا يشعرون بوجودهم.
هذا التعلق الشديد بحسب مطارنة يتسبب بحالة من الانفصال عن الواقع وعن التفاعل الإنساني، فيفقد الأشخاص الدعم النفسي، ما يتسبب بضعف في العلاقات الاجتماعية والتكافل الاجتماعي.
ويشير مطارنة إلى أن التعلق بالهاتف النقال يتسبب في تزايد المشاكل النفسية، والاكتئاب والعزلة واللفصام الاجتماعي والنفسي.
ولا يتوقف أذى التعلق بشاشات الهواتف على الكبار، فقد انتقل لعالم الصغار الذين يعتبرون الكبار قدوة لهم فعندما يرونهم منشغلين في الهاتف طوال اليوم، يقومون بتقليدهم، ما يؤثر على الصغير وعلى تفكيره الواقعي ونموه، وتصبح حياته داخل عالم افتراضي وخيالي، وينعكس ذلك على التفاعل الاجتماعي والأسري والإحساس العاطفي.
وظهر مصطلح جديد يسمى Phubbing ، وهو مزيج من كلمتي phone (الهاتف) وsnubbing (الازدراء)، ويصف عملية ازدراء شخص تتحدث معه بشكل مباشر أو ضمن مجموعة، عبر استخدام الهاتف والتركيز فيه والانشغال به، متجاهلا الأصدقاء والرفقاء المحيطين به.
وظهر مصطلح Phubbing لأول مرة في أيار العام 2012، عندما ابتكرت وكالة إعلانات أسترالية هذه الكلمة لوصف الظاهرة المتنامية المتمثلة في تجاهل الأشخاص لأصدقائهم وعائلاتهم الذين كانوا أمامهم مباشرة، وبدلًا من ذلك يتصفحون هواتفهم.
ووجدت إحدى الدراسات أن أكثر من 17 % من الأشخاص يقومون بهذا الفعل أربع مرات على الأقل في اليوم، وأفاد ما يقرب من 32 % من المبحوثين أنهم يتعرضون للتجاهل من الآخرين عبر التعلق بمتابعة الهاتف من مرتين إلى ثلاث مرات في اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock