أفكار ومواقف

جمال عبد الناصر في ذكرى رحيله: رمز الكرامة والعزة لهذه الامة

 بعد نكسة عام 1967 رفع عبدالناصر شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” في محاولة واضحة لحشد كل العرب بكل انتماءاتهم  لمحو اثار العدوان


ولد جمال عبد الناصر في حي باكوس في الاسكندرية عام 1918، وكان ينتمي الى اسرة من الفلاحين البسطاء من الصعيد  المصري من قرية بني مر، وظل عبد الناصر طوال حياته صعيديا برجولته وأخلاقه وانتمائه الأسري والوطني ثم انتقل الى القاهرة ليعيش مع عمه خليل حسين في حي شعبي حيث التحق بمدرسة النحاسين في القاهرة عام 1925 وتوفيت والدته لاحقا في عام 1926 وكان لذلك أثر عميق في نفس جمال عبد الناصر الذي عاد لمسقط رأسه مع والده عام 1930 وعاد للقاهرة مرة اخرى عام 1933.


درس في مدرسة النهضة الثانوية بالقاهرة. وهنا برز نشاط عبد الناصر السياسي حيث انخرط في المظاهرات التي اندلعت في شوارع القاهرة ضد الاستعمار البريطاني وبعد قيام بريطانيا برفض إعادة  دستور عام 1923.


اصيب عبد الناصر من قبل البوليس البريطاني برصاصة بجلدة الرأس تركت أثرا كبيرا في نفسه حيث إنه ردد ان هذه العلامة التي تعلو وجهه  تذكره كل يوم بالواجب الوطني الملقى على كاهله وبضرورة طرد الاستعمار. وفي عام 1933 اصبح زعيما طلابيا كبيرا يقود المظاهرات بعد ان كان يشارك فيها والف مع مجموعة من الطلبة المصريين مجلسا عام كان يقود المظاهرات ويطبع المنشورات ضد الاستعمار ويحرض على طرد الانجليز ويزور الزعماء السياسيين من الاحزاب المصرية ويحثهم على توحيد كلمتهم ومواجهة الاستعمار الانجليزي وخاصة في عام 1936 وما اعقبه من معاهدة تقنن وجود الاستعمار الانجليزي في مصر على ان تبقى مصر خاضعة لسيطرة الاستعمار البريطاني . ويصف الراحل عبد الناصر في كتابه “فلسفة الثورة” تلك المرحلة.


لم يقبل جمال عبد الناصر معاهدة  1936 بين مصر وانجلترا والتي ابقت قواعد عسكرية في وادي النيل وقناة السويس وقيدت السيادة المصرية. وقاد المظاهرات ضد الاتفاقية في الشوارع ونظم اعتصاما في مدرسة النهضة؛ فقامت المدرسة بفصله لانه كان يحرض على الثورة على الانجليز الا ان زملاءه وقفوا بجانبه واعلنوا اضرابا مفتوحا على الدراسة في المدرسة فتراجعت المدرسة عن قرارها. و قد لعب طلبة المدارس والجامعات وخاصة جامعة القاهرة دورا بارزا في مقارعة الاستعمار الانجليزي. انهى جمال عبد الناصر دراسته الثانوية وحاول الالتحاق بالكلية الحربية عام 1936 ، ورغم نجاحه في امتحانات القبول الا ان طلبه قوبل بالرفض لنشاطه الثوري الى ان استطاع مقابلة اللواء ابراهيم خيري عام 1937 وكان اللواء ذا ميول وطنية فساعد عبد الناصر في دخول الكلية الحربية، ولمع نجمه في الكلية الحربية وكان موضع ثقة ومحبة زملائه. وكان لنشأته في الاسكندرية اثر واضح في اثراء ثقافته حيث واصل تعلمه اللغة الانجليزية وكان يقرأ كثيرا من المؤلفات حول الدين الاسلامي وحول الاشتراكية وكان مولعا بالشعر وحفظ اشعار أحمد شوقي وحافظ ابراهيم والمتنبي وطالع كتابات مصطفى كامل وكان معجبا بروايات توفيق الحكيم خصوصا روايته عودة الروح التي تبرز دور المصريين في وحدتهم في الدفاع عن وطنهم، وقرأ لشكسبير وغيره من الكتاب الغربيين.  وبعد تخرجه من الكلية الحربية التحق بوحدات الجيش المصري وحدثت في 4/2/1942 حادثة اثارت سخطه عندما امر السفير البريطاني بمحاصرة الملك فاروق بسرايا عابدين لإجباره على تشكيل حكومة موالية لبريطانيا، شعر عبدالناصر بالمهانة والاذلال. ومنذ ذلك التاريخ كما يقول بدأ يفكر بالثورة على الانجليز حتى لو اقتضى ذلك استخدام القوة.


•الضباط الاحرار


بدأ عبد الناصر يفكر بتشكيل خلية من الضباط العسكريين ذوي التوجهات الوطنية بعد ان ساءت الامور في مصر وبعد انهزام الجيوش العربية في عام 1948 واحتلال الاراضي الفلسطينيةو خاصة أنه  شارك شخصيا في هذه الحرب ورأى كما يقول فساد السياسيين وفساد الاسلحة ومرارة الهزيمة.  وبعد نجاحه في تشكيل خلية الضباط الاحرار التي ضمت بالاضافة لعبد الناصر صلاح سالم وعبداللطيف البغدادي وخالد محيي الدين والشافعي وزكريا محيي الدين وجمال سالم  الذي اصبح لاحقا يطلق عليه اسم مجلس قيادة الثورة ذهب عبد الناصر وبرفقة الشافعي وزكريا محيي الدين الى مفتي فلسطين في القاهرة والذي كان مقيما هناك عام 1949 و بعد ان شرحوا له الاوضاع في فلسطين فطلبوا التنسيق فيما يتعلق بتشكيل خلايا فدائية تنطلق من مصر لمقاومة اسرائيل، الا ان المفتي نصحهم بالتنسيق مع الحكومة المصرية. وهنا روى عبدالناصر للمفتي معركة حصار الفلوجة الذي شارك فيه شخصيا وان لا فائدة الا ان يقوم الشعب نفسه بالمقاومة. وانتهى اللقاء باصرار المفتي على موقفه وانتهت الحرب واقيمت دولة اسرائيل بقرار من الامم المتحدة رقم 181 و بتآمر دولي واسع واعلنت الهدنة بين العرب واسرائيل عام 1949. في عام 1951 رقي عبدالناصر الى رتبة مقدم وبعد ان ساءت الاوضاع كثيرا في مصر وبعد هزيمة عام 1948 وخلافا لما خطط له عبدالناصر بالقيام بالثورة عام 1955 وبعد تأزم الوضع الداخلي في مصر بين الاحزاب والانجليز والملك فاروق وبعد حريق القاهرة الشهير والخسائر الكبيرة التي لحقت بالمصريين بالارواح والممتلكات والموقف المتقاعس للحكومة قرر عبدالناصر وزملاؤه القيام بالثورة.


•ثورة 23 يوليو


بعد بروز ما يعرف بازمة الجيش بين الملك فاروق وضباط في الجيش المصري على اثر اعتقال بعضهم وتسريح العديد من الضباط وحول ما يتعلق بدور الجيش المصري في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي قام عبد الناصر ومجموعة من الضباط بمحاصرة قيادة الجيش في كوبري القبة والقاء القبض على قادة الجيش واجبر الملك فاروق على التنازل عن العرش ومغادرة مصر. و سمي اللواء محمد نجيب قائدا لمجلس الثورة الا ان خلافا دب بين اعضاء مجلس قيادة الثورة ومحمد نجيب حيث اجبر على الاستقالة في عام 1954 و جاءت محاولة اغتيال جمال عبد الناصر وهو يخطب في حي المنشية بالقاهرة في 26 (تشرين الأول) اكتوبر عام 1954 وكان يتحدث في الخطاب عن قانون الاصلاح الزراعي الذي اصدره مجلس قيادة الثورة عام 1952 والذي قضي على الاقطاعية في مصر واعاد توزيع الاراضي على الفلاحين الصغار مما اثار لاحقا لسنوات عديدة سخط ومعارضة ومقاومة كبار الاقطاعيين  لنظام جمال عبدالناصر،  كما تحالفوا لاحقا مع البرجوازية المصرية التي تضررت كثيرا من توجهات ناصر الاشتراكية والشعبية ليشكلوا جبهة معارضة داخلية استخدمت القوة والعنف للإطاحة بجمال عبدالناصر. وانضم الى هؤلاء جماعة الاخوان المسلمين الذين اتهموا بمحاولة اغتيال ناصر عام 1954.


حقق ناصر عام 1953 اتفاقية الجلاء بجلاء الانجليز عن مصر وفعلا جلا اخر مستعمر انجليزي عن مصر يوم 18 تموز (يوليو) 1956 وبذلك تحقق لعبد الناصر حلم حياته واهم اهدافه الا وهو السيادة الكاملة لمصر، و بأيد وطنية.


• تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي


بعد عام 1945 ومؤتمر يالطا الشهير والنتائج التي اسفرت عنها الحرب العالمية الثانية عسكريا وسياسيا وتشكيل حلفي وارسو والاطلسي  ونشوب الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي واميركا و الغرب وعمليات الاستقطاب الدولي الواسعة للدول الاخرى من قبل الاتحاد السوفيتي واميركا اسس عبدالناصر والقائد الهندي نهرو والقائد اليوغسلافي تيتو في مؤتمر باندونج حركة عدم الانحياز التي ضمت معظم دول العالم الثالث لاحقا وانتهجت سياسة عدم الانحياز لا للشرق ولا للغرب وان كانت سياستها بالمجمل منحازة ايجابيا للاتحاد السوفيتي.


أمم الرئيس الراحل عبدالناصر بقرار تاريخي قناة السويس وبشجاعة  غير مسبوقة ووطنية مخلصة وكان يعرف حجم الأعداء ومؤامراتهم ولكنه لم يتراجع وحدث العدوان الثلاثي عام 1956 وسجل الشعب المصري البطل بقيادة عبدالناصر اسطورة في المقاومة ببور سعيد المدينة البطلة والسويس وكان الإنذار السوفيتي الشهير للقوى المعادية، فتم دحر العدوان وجاء قرار انشاء السد العالي ليسجل اعظم انجازات وقرارات ناصر بعد ان كانت المياه تغرق مصر كل عام. و بعد ان رفضت الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي تمويله شيد الاتحاد السوفيتي السد العالي ليشكل عنوانا لصداقة ناصر وروسيا لاحقا على جميع الاصعدة العسكرية والثقافية والسياسية واهمها تسليح الجيش المصري واعادة بناء البنية التحتية والمصانع المصرية.


وما تحقق في حرب تشرين الأول (أكتوبر)عام 1973 ليس الا تتويجا لهذا التعاون رغم رحيل الزعيم قبل ذلك.


* نكسة عام 1967


بعد اغلاق مضائق ايران وباب المندب وانسحاب القوات الدولية من سيناء قامت اسرائيل بعدوانها عام 1967 واحتلت فلسطين كلها وسيناء والجولان واراض لبنانية. اصابت النكسة عبد الناصر بالصميم وقدم استقالته وتحمل المسؤولية ولكن تحت اصرار الجماهير العربية ومطالبتها استمر في اعادة بناء الجيش المصري واعادة التضامن العربي من خلال مؤتمر القمة العربي في الخرطوم والذي عرف بمؤتمر اللاءات الثلاث “لا مفاوضات ولا اعتراف ولا صلح” ونعم لحرب التحرير الشعبية ضد اسرائيل حتى التحرير ورفع عبدالناصر شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” في محاولة واضحة لحشد كل العرب وكل انتماءاتهم  لمحو اثار العدوان. ونشبت حرب الاستنزاف بين مصر والفدائيين واسرائيل وساهم عبد الناصر بانشاء منظمة التحرير الفلسطينية وكانت القاهرة وما تزال هي حاضنة النضال الفلسطيني وقلب فلسطين النابض. وساعد عبدالناصر الثورة في الجزائر ومد الجزائريين بكل ما يلزمهم رغم ضيق الحال وخاض الصراع في اليمن وساهم في انتصار الثورة اليمنية وفي تحرر الكثير من البلدان الافريقية ودعم حركات التحرر في اميركا اللاتينية.


في 28 أيلول (سبتمبر) عام 1970 رحل الزعيم جمال عبدالناصر بنوبة قلبية حسب ما اعلن رسميا وما يزال لغز الوفاة غامضا حيث إن هناك شكوكا حول تسميمه من قبل الموساد الاسرائيلي وبإيدي عملاء مقربون من المرحوم جمال عبدالناصر.


شيعت الملايين الزعيم جمال عبدالناصر وبكى الملايين على رحيل جمال عبدالناصر الذي عاش ومات في سبيل الدفاع عن شرف ووحدة الامة العربية والدفاع عن فلسطين فمثّل بذلك رمزا وعنوانا للكرامة والعزة لهذه الامة.


*عميد وأستاذ القانون الدولي في جامعة الزيتونة الاردنية 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. بسمارك العرب؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
    شكرا د. راضي على طلتك المشرقة عن الزعيم المغفور له باذن الله جمال عبد الناصر ..الذي كان يريد ان يكون بسمارك العرب ليوحدهم كما وحد يسمارك المانيا ..ولا اخفي عليك القول لو كان المرحوم يعلم من سيكون اسلافه .. لما كان فكر هو والضباط الأحرار من طرد الملك فاروق ، واعلان مصر جمهورية

  2. لكل زمان دولة و رجال
    شخصية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر نسأل الله له الرحمة مثيرة للجدل.و لعل القارىء للتاريخ يتوه دليله امام حشد من الاراء المتناقضة التي تم كتاباتهاسواء كانت ضده او عليه.و تقاس عظمة اي رجل في مدى تأثير افكاره و اعماله على ارض الواقع ومدى ديمومتها.و لكن لا يسعنا الا ان نقول لكل زمان دولة و رجال.

  3. شكرا يا أستاذي
    اشعر بافخر وأنا أقرأ مقالا لأستاذي الدكتور العبدالات الذي كان وما زال منبعا ننهل منه التاريخ

شاهد أيضاً

إغلاق
انتخابات 2020
41 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock