ترجمات

جنون الجيش في القاهرة

هيئة التحرير – (النيويورك تايمز) 14/8/2013
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بعد حمام الدم الجديد في شوارع القاهرة يوم الأربعاء، أثبتت الجنرالات الحاكمون في مصر بما لا يدع أي ظلال متبقية من الشك أنه ليس لديهم الاستعداد -وأن لديهم القليل من الاهتمام على ما يبدو- في توجيه بلادهم للعودة الى الديمقراطية. على العكس من ذلك، فإن البلادة السياسية للجنرال عبد الفتاح السيسي، القائد الفعلي لمصر، والقمع الوحشي الذي أطلق له العنان، تهدد الآن بإنتاج الأسوأ من بين كل النتائج المحتملة لوضع مشتعل بالفعل: حرب أهلية قاتلة.
وسوف يكون ذلك كارثة حقيقية على مصر، التي ظلت تعتقد حتى وقت قريب أنها تسير على الطريق إلى وضع نهاية لعقود من الاضطهاد والدكتاتورية. كما سيكون كارثة على السياسة الخارجية للولايات المتحدة، خصوصا وأن مصر هي الدولة الأكثر سكاناً وتأثيراً في العالم العربي، كما أنها أكثر جيران إسرائيل أهمية من الناحية الاستراتيجية.
يترتب على الرئيس أوباما أن يعلن عن معارضته التي لا لبس فيها لسلوك الجيش المصري. ويستطيع أن يفعل ذلك عن طريق التعليق المباشر للمساعدات العسكرية، وإلغاء التمارين العسكرية المشتركة المقررة في أيلول (سبتمبر). (ملاحظة: قال الرئيس أوباما يوم الخميس إن الولايات المتحدة سوف تنسحب من المناورات العسركية المشتركة مع الجيش المصري، والتي كان من المقرر إجراؤها في أيلول-سبتمبر). ويمكن التراجع عن هذه الخطوات في حال غيّر الجنرالات طرقهم. لكنه يترتب على الولايات المتحدة، حتى ذلك الحين، أن تغلق باب برنامج المساعدات الذي ظل يزود المؤسسة العسكرية المصرية بمبلغ سخي قوامه 1.3 مليار دولار سنوياً، وعلى مدى عقود.
بالنسبة لأولئك الذي يحاججون بأن هذه المساعدة تمنح الولايات المتحدة وسيلة للتأثير، فإنه لم يعد بوسعهم الاستمرار بهذا الطرح بجدية وقناعة. ومرة أخرى، تم تجاهل مضمون المكالمات الهاتفية من وزير الدفاع الأميركي تشاك هاغل للفريق السيسي، والتي طلب منه فيها ضبط النفس، وكذلك الحال مع حث وزير الخارجية الأميركي جون كيري على شيء مماثل.
وكان السيد كيري قد تحدث مرة أخرى يوم الأربعاء، لكن الأمر يعود الآن إلى الرئيس أوباما للقيام بتحرك ما. أما البيان الحذر الذي أدلى به نائب السكرتير الإعلامي في مارثا فينيارد، والقائل إن إدارة أوباما “تدين بشدة” إجراءات العنف وتقوم بمراجعة برنامج المساعدات، فمن غير المرجح أن يثير اهتمام الجنرالات المصريين. لكن إلغاء التمارين العسكرية المشتركة التي كانت مقررة في الشهر المقبل ربما يفعل. وإذا ما كان تعليق المساعدة البالغة 1.3 مليار دولار لا يستطيع أن ينجز المهمة، فإنه سيقول للمصريين من كل الأطياف والطبقات على الأقل أن الولايات المتحدة لم تعد تصادق على القمع ولا تتساهل معه.
المئات من المتظاهرين السلميين قتلوا يوم الأربعاء، عندما استخدم الجيش ووحدات الشرطة الطائرات العمودية، والقناصين، والجرافات والقنابل المسيلة للدموع، لإخلائهم من منطقتين للتخييم في القاهرة. كما أعلن الجيش فرض حالة الطوارئ، فيما سمت “الحكومة الانتقالية” 25 من حكام المحافظات الجدد -19 منهم من الجنرالات.
ليست الحكومة الانتقالية أكثر من مجرد واجهة تجميلية للحكم العسكري. وكان هؤلاء الليبراليون والمعتدلون الذين مكنوا وشجعوا الجيش متواطئين في هذه الخديعة. وقام أحد الليبراليين البارزين الديمقراطيين، محمد البرادعي، الفائز بجائزة نوبل، بالاستقالة من منصبه يوم الأربعاء كنائب مؤقت للرئيس.
يجب أن تتقاسم جماعة الإخوان المسلمين المسؤولية أيضاً. فمنذ انقلاب 3 تموز (يوليو) الذي أطاح بالرئيس محمد مرسي، أبدت الجماعة القليل من الاهتمام بالتفاوض على ممر سلمي للخروج من الأزمة. وحتى قبل ذلك الانقلاب، كشف السيد مرسي وقادة الإخوان المسلمين الآخرين عن القليل من العناية بالوصول ومد اليد للمصريين من مختلف الانتماءات السياسية والدينية.
لكن اللوم الأكبر يقع على عاتق الجنرال السيسي. فقد قام بالاستيلاء على السلطة من حكومة منتخبة ديمقراطياً. وهو يسيطر على القوات الأمنية التي طالما اضطهدت المعارضين وعاملتهم بوحشية. وقد وافق على الأوامر التي صدرت إلى القوات المسلحة بكثافة باستخدام القوة القاتلة ضد المحتجين السلميين، مع القليل من مواطن الشكوى السياسية المشروعة -الإطاحة والاعتقال السري لأول رئيس مصري منتخب ديمقراطياً.
يبقى تأثير واشنطن على الرأي العام المصري محدوداً بشكل عام. ولذلك صلة أقل بالنبرة المنفخضة التي استخدمها السيد أوباما مما له من الصلة بالعقود السابقة من الدعم الأميركي غير المتواني للمستبدين السابقين مثل السيد مبارك، وقوى الجيش التي تدعم هؤلاء المستبدين، وهو ما عنى تجاهل معظم سكان مصر البالغ عددهم حوالي 84 مليوناً. وقد فات الوقت على محاولة السيد أوباما تصحيح ذلك الاختلال في الميزان. لكن تعليق المساعدات الأميركية وحجبها عن الجيش المصري المناهض للديمقراطية، ربما يكون الآن مكاناً جيداً يمكن البدء منه.

*نشرت هذه الافتتاحية على:
 Military Madness in Cairo

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock