ترجمات

جهاديو فرنسا أمام معضلة العودة

وهيبة إبراهيم – (أوريان 21) 13/4/2021

ما تزال الحكومة الفرنسية ترفض طلبات عودة الجهاديين الفرنسيين الذين ذهبوا للقتال في سورية والعراق، أو عودة نسائهم وأطفالهم. لكن الرئيس الفرنسي بات اليوم مستهدفا شخصيا بإجراءات قضائية تقوم بها عائلات الضحايا.

  • * *
    في حزيران (يونيو) 2014 سقطت مدينة الموصل العراقية بين أيدي مقاتلي تنظيم “داعش” لتلتحق بالرقة السورية التي كان قد سيطر عليها التنظيم في كانون الثاني (يناير) من العام ذاته. وكان أكثر من 40 ألف مقاتل أجنبي من أكثر من مائة دولة قد توافدوا إليها حسب إحصائيات الأمم المتحدة.
    من بين هؤلاء، أحصت الحكومة الفرنسية حوالي 1.700 فرنسي التحقوا بتنظيم “داعش” منذ العام 2014. وقد اعتبرت السلطات الفرنسية وجزء كبير من الطبقة السياسية خطوة الالتحاق بالتنظيم بمثابة إعلان حرب ضد باريس، فضلا عن كون سورية والعراق قاعدة خلفية لأعمال إرهابية استهدفت فرنسا وما تزال تهدد أراضيها، على غرار هجمات 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015 الدامية وهجوم نيس الذي هز فرنسا في 14 تموز (يوليو) 2016.
    سخّرت فرنسا إمكانيات استخباراتية ضخمة لرصد وتعقب الذين يسيرون على خطى “داعش” للحؤول دون التحاق آخرين بصفوف التنظيم، وعززت ترسانتها التشريعية والقانونية لمجابهة الإرهاب والجريمة المنظمة، على غرار قانون مكافحة الإرهاب الذي صادق عليه البرلمان الفرنسي بشكل نهائي في 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2017. إلا أنها ما تزال في المربع الأول فيما يتعلق بملف عودة جهادييها بعد استعادة الموصل في تموز (يوليو) 2017 والرقة في أيلول (سبتمبر) من العام ذاته، ثم بعد إعلان قوات سورية الديمقراطية القضاء التام على التنظيم في معركة الباغوز في شمال شرق سورية في آذار (مارس) 2019، حيث ألقت القبض على المقاتلين وعائلاتهم من النساء والأطفال واحتجزتهم في مخيمات.
    مع ذلك، لم تسرِّع الدعوات الملحة لقوات سورية الديمقراطية ولا محاولات عائلات الجهاديين من وتيرة استعادة فرنسا لمواطنيها المقاتلين المحتجزين لديها، خاصة بعد بدء انسحاب القوات الأميركية من شمال شرق سورية في تشرين الأول (أكتوبر) 2019، وذلك على الرغم من تصاعد معاناة المحتجزين. ويناشد أغلب الجهاديين الفرنسيين المحتجزين في سورية والعراق، وخاصة النساء رفقة أطفالهن، من أجل العودة إلى بلادهم والمثول أمام القانون الفرنسي، إلا أن هذا المطلب يقابله تمسك السلطات الفرنسية بمحاكمتهم في الأراضي التي ارتكبوا فيها جرائم في سورية والعراق، وخاصة على أراضي الأخيرة لوجود اتفاقيات تعاون دفاعية وأمنية وقضائية مع باريس.
    وفي شباط (فبراير) 2020، جدّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا الموقف، ونفى وجود أي برنامج لاستعادة الجهاديين الفرنسيين، مختصرا الدور الفرنسي في معالجة كل حالة على حدة والمساعدة القنصلية للذين سُلموا إلى السلطات العراقية التي حكمت بالإعدام على عدد منهم.
    وقد عارضت فرنسا التي ألغت حكم الإعدام سنة 1981 هذه الأحكام عملياً، لكنها أكدت سيادة العراق، حيث أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية في 24 أيار (مايو) 2019 بعد حكم الإعدام الذي صدر في حق تسعة جهاديين فرنسيين أن السفارة الفرنسية في العراق، وفي إطار الحماية القنصلية، اتخذت الإجراءات الضرورية لتذكير السلطات العراقية بموقفها الثابت المعارض لحكم الإعدام.
    هذا الحكم عرّض من جديد السلطات الفرنسية إلى وابل من الانتقادات داخليا وخارجيا، حيث اعتبرت مقررة الأمم المتحدة، أنياس كالامارا -التي أصبحت الأمين العامة لمنظمة العفو الدولية- في رسالة وجهتها إلى فرنسا في آب (أغسطس) 2019 أن السلطات الفرنسية قامت بـ”اختراقات عدة للقانون الدولي” وطالبتها بتوضيح دورها في نقل الجهاديين الذين حُكم عليهم بالإعدام من سورية إلى العراق. كما حثت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب هي الأخرى فرنسا على اتخاذ كل الإجراءات الفعالة والعقلانية المتاحة من أجل حماية السلامة النفسية لمواطنيها، كما طالبتها بمنع تنفيذ حكم الإعدام في حقهم.
    أما في الداخل، فقد ندد خمسة وأربعون محاميا فرنسيا بأحكام الإعدام التي صدرت في حق تسعة جهاديين فرنسيين في العراق، وذكّروا بأن الدستور الفرنسي يمنع حكم الإعدام ولم يحدد أي استثناء، حتى عندما يتعلق الأمر بالإرهاب.
    حتى الأطفال
    في ظل هذا المشهد، أصبح تركيز عائلات الجهاديين والمنظمات الحقوقية على عودة النساء والأطفال. إلا أن قصر الإليزيه ما يزال متمسكا بمعالجة هذا الشق من ملف الجهاديين بدراسة كل حالة على حدة، مع إيلاء الأهمية للأطفال اليتامى.
    هناك حتى كتابة هذه السطور 120 امرأة و300 طفل ما يزالون في مراكز احتجاز تابعة لقوات سورية الديمقراطية، حيث يعيشون في ظروف بالغة السوء. ومنذ بداية عهدة الرئيس ماكرون، لم يتمكن سوى 35 طفلاً من العودة إلى فرنسا منهم 17 عادوا في 2017، و11 في 2020، و7 آخرون في كانون الثاني (يناير) 2021.
    من جهته، أعرب المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية لسورية، عمران رضا، في هذا السياق عن قلقه العميق من الوضع الإنساني في مخيم الهول -80 % من المحتجزين فيه هم نساء وأطفال- وأبرز معاناة أطفال هذا المخيم ووفاة ثمانية منهم في أقل من أسبوع في شهر آب (أغسطس) 2020 “متأثرين بأمراض متفاوتة، من بينها مضاعفات مرتبطة بسوء التغذية وجفاف ناجم عن الإسهال ونزيف داخلي ونقص السكر في الدم”. وأضاف أن أزمة جائحة كورونا فاقمت معاناة المحتجزين واللاجئين حيث تم تقليص الخدمات الضرورية.
    ناضلت عائلات الجهاديين، بالتنسيق مع عدد من النواب والمحامين، لتحريك بعض الضمائر على مستوى الجمعية الوطنية، حيث رافع عدد من النواب في سبيل هذه القضية، وناشدوا السلطات لعدد من المرات في بياناتهم ومراسلاتهم المختلفة بمعالجة هذا الملف.
    وأوضحت “جمعية عائلات متحدة” أن جهودها المبذولة في هذا السياق كانت مدعومة من قبل حوالي 67 برلمانيًا، من بينهم النائب بيار موريل ألويسيي اليميني والسيناتور الشيوعي بيار لوران. وفي بيان آخر صدر في 13 كانون الثاني (يناير) 2021، اغتنمت الجمعية عودة الأطفال السبعة إلى فرنسا من مخيمات الهول وروج لتشيد بها وتبرزها كدليل على قدرة السلطات الفرنسية على استعادة “من تريد ومتى تريد”.
    تغير الموقف تجاه النساء
    لإسماع أصواتهن من جديد وتسريع معالجة ملف عودتهن، أضربت عشرات الفرنسيات المحتجزات لدى قوات سورية الديمقراطية في مخيمي الهول وروج في 23 شباط (فبراير) 2021، إلا أن السلطات الفرنسية لم تُعد النظر في موقفها. وقد سُئل وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان في هذا الموضوع على قناة “فرانس أنفو” في 26 آذار (مارس) 2021، فكان جوابه أن الأولوية حاليا تتمثل في إنقاذ الأطفال شريطة أن توافق الأمهات على عودة أبنائهن إلى فرنسا، موضحا أن السلطات قامت بعمليات تشبه العمليات العسكرية عدة مرات من أجل إعادة عدد من الأطفال التي حددت هويتهم بموافقة السلطات الكردية. وخصّ لودريان بالذكر اليتامى والأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم عشر سنوات، فيما حسم مستقبل النساء -حتى اللواتي لم يشاركن في المعارك –ليبقين حبيسات “الانتظار”.
    تغير الموقف الفرنسي من النساء اللواتي التحقن بتنظيم “داعش” منذ العام 2016 بتغير الدور الذي لعبته هؤلاء النساء، إذ لم يعد نشاطهم يقتصر على تربية الأطفال والأجيال أو الالتزام بـ”الواجبات الزوجية والعائلية”، وإنما توسع ليشمل التعبئة والتجنيد -وحتى القتال. وفي هذا السياق، أوضحت وكالة الشرطة الأوروبية (يوروبول) في حزيران (يونيو) 2019 أن النساء أصبحن يجنَّدن للقتال على خط الجبهة وفي الأنشطة الإرهابية في الغرب.
    الحكومة الفرنسية والرهانات السياسية
    يخضع ملف عودة الجهاديين إلى تجاذبات سياسية دفعت السلطات الفرنسية إلى العزوف عن تنظيم عودة جماعية لنحو 130 جهاديا في كانون الثاني (يناير) 2019، حيث أثار إعلان وزير الداخلية آنذاك، كريستوف كاستنير، عزم السلطات الفرنسية استعادة جهادييها حفيظة حزب الجمهوريين اليميني على لسان نائبته عن منطقة بوش، ديو رون فاليري بويي. وقد عارضت الأخيرة هذا القرار ورافعت من أجل محاكمة الجهاديين في العراق أو سورية، واصفة الجرائم التي ارتكبوها بجرائم حرب وجرائم إبادة. كما لوّح حزب التجمع الوطني (من اليمين المتطرف) بسحب الجنسية الفرنسية من مزدوجي الجنسية من الجهاديين.
    وذهب أحد نواب حزب الجمهوريين عن منطقة با دو كاليه، بيار هنري ديمون، إلى حد اقتراح اعتماد “الاغتيالات الممنهجة” كوسيلة لتصفية الجهاديين أينما تواجدوا في سورية والعراق، في كانون الثاني (يناير) 2019. وكان ذلك خلال برنامج حواري يبث على القناة البرلمانية الفرنسية، تناول ملف عودة الجهاديين. وهي تصريحات أثارت دهشة النائبة عن حزب “الجمهورية إلى الأمام” (الحزب الحاكم)، ماري كريستين فرديه جوكلاس، التي دافعت في المقابل خلال البرنامج الحواري ذاته وعلى خلاف توجه حزبها عن عودة الجهاديين وسجنهم ومحاكمتهم في فرنسا. وهو موقف يشاركه حزب “فرنسا الأبية” اليساري.
    يتأثر الموقف الرسمي الفرنسي أيضا برأي حوالي 82 في المائة من الفرنسيين المستطلعة آراؤهم حول هذا الملف، الذين اعتبروا قرار مُحاكمة الجهاديين في سورية والعراق قراراً صائباً، حسب استطلاع آراء نشرته صحيفة “لوفيغارو” في 28 شباط (فبراير) 2019، خاصة وأن فرنسا كانت على أبواب مواعيد انتخابية (رئاسية وتشريعية) سنة 2022.
    ملاحقات قضائية
    أصبح القضاء هو الباب الذي تطرقه عائلات الجهاديين من خلال المحامين لفتح هذا الملف. وقد واجهت فرنسا ولأول مرة التماسا أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تقدم به جدّ وجدّة بعد رفض السلطات الفرنسية إعادة حفيديهما من سورية برفقة أمهما.
    وفي 30 آذار (مارس) الماضي، استهدف ثلاثة محامين لعائلات الجهاديين الرئيس الفرنسي شخصيا، حيث طالبوا المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق “حول جرائم حرب”، باعتبار ماكرون “المسؤول المباشر” أو “المتواطئ”، على حد تعبير تعبيرهم، في الاحتجاز غير القانوني لـ200 طفل وحوالي 100 امرأة لدى قوات سورية الديمقراطية في شمال شرق سورية، والذين يعانون من معاملة غير إنسانية. كما أبرز المحامون أن السلطات الكردية لا تملك القدرة لمحاكمة الجهاديات وطالبت فرنسا باستعادتهن.
    ما بعد العودة
    يخضع التكفل بالأطفال العائدين من مناطق النزاع والحروب في سورية والعراق لجملة من الشروط والمراحل حددتها السلطات الفرنسية في تعليمات وقعت في شباط (فبراير) 2018 خلفا لتلك التي كانت قد صدرت في 23 آذار (مارس) 2017.
    تحدد تعليمات التكفل بالقصر كل الإجراءات الواجب اتباعها بمجرد وصول أطفال الجهاديين إلى فرنسا، وأول الخطوات تتمثل في المتابعة الطبية، الجسدية والنفسية، لهؤلاء الأطفال العائدين، للوقوف على درجة الصدمة التي تعرضوا لها خلال فترة تواجدهم في ساحات الصراع والقتال في سورية والعراق، ثم في مخيمات الاحتجاز لدى قوات سورية الديمقراطية.
    هذه العودة مؤطرة قانونيا من خلال إعلام وإبلاغ النيابة العامة بمجرد أن تطأ أقدام هؤلاء الأطفال أرض فرنسا، كما يلعب قاضي الأحداث دورا جوهريا في تحديد مستقبلهم استنادا إلى تقارير الفحوص الطبية والنفسية، والفصل بين الاختيارات المتاحة والمفصلة في تعليمات التكفل بهم. وتتوزع خيارات إعادة الإدماج باختصار حسب التعليمات بين إمكانية تكليف عائلات مستقبِلة باحتضانهم أو إسناد ذلك الى أحد أفراد العائلة بعد التأكد من الغياب التام لأي علامات على التطرف داخل العائلة الحاضنة أو الاعتماد على مصالح المساعدة الاجتماعية للأطفال.
    في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 2020 وبالتزامن مع اليوم العالمي لحقوق الطفل، وجه رئيس المجلس الإقليمي لسين سان دوني، ستيفان روسيل، نداء إلى السلطات الفرنسية يناشدها فيه بمساعدة محافظته التي تأخذ على عاتقها الحصة الأكبر في استقبال الأطفال العائدين من سورية والعراق.
    وقد استقبل الإقليم حوالي 94 طفلا منذ العام 2016 وما يزال يتكفل بأربعة وسبعين منهم على مستوى مصالح المساعدة الاجتماعية للطفولة التابعة لها. وقد أوضح ستيفان روسيل أن إقليمه يتحمل أعباء هذا الاستقبال من دون وجود علاقة مباشرة تربط هؤلاء الأطفال بها، وقد كلف ملف أطفال الجهاديين سين سان دوني حوالي 3 ملايين يورو العام 2019 من دون أن تتلقى أي مساعدة، كم لم تجد المراسلات العديدة إجابة من السلطات.
    تجدر الإشارة أن إقليم سين سان دوني يحتل المرتبة الأولى في ترتيب الأقاليم الفقيرة على مستوى الأراضي الأوروبية لفرنسا، حسب مرصد عدم المساواة الفرنسي، ويعيش فيه حوالي 28 ألف شخص تحت خط الفقر.
    إمكانية إنشاء محكمة دولية
    في ظل المماطلة الذي تميز الموقف الأوروبي عموما والفرنسي خصوصا في ملف عودة الجهاديين والعبء الذي يشكله وجودهم على قوات سورية الديمقراطية وعلى السلطات العراقية، طرحت العديد من الدول الأوروبية اقتراح إنشاء محاكم دولية على شاكلة المحكمة الجنائية ليوغسلافيا السابقة ورواندا، وهو ما كان محل مناقشات في هذه الدول في العام 2019 حسب جاسم محمد، مدير المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات. كما درست العديد من دول التكتل الأوروبي هذا الاقتراح، ومنها السويد التي ناقشته في اجتماع دولي احتضنته في حزيران (يونيو) 2020. وقد طرحت فرنسا أيضاً، على لسان وزيرة العدل نيكول بيلوبي، في 2019 اقتراح إنشاء محكمة دولية في العراق لمحاكمة الجهاديين الأجانب.
    وكانت قوات سورية الديمقراطية سباقة إلى طرح هذا الخيار، إلا أن إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عارضته، كما فعلت من خليفتها الشيء نفسه وجددت تمسكها باستعادة الدول الأوروبية لمواطنيها الذين التحقوا بتنظيم “داعش”. وأوضح جاسم محمد، مدير مركز دراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، في هذا السياق أن الولايات المتحدة تتمسك باستعادة الدول الأوربية لمقاتليها وتستعمله كورقة ضغط كلما أرادت، كما تعتبر واشنطن أن استعادة أوروبا لجهاديها هي أنجع وسيلة لمحاربة الإرهاب، لأن بقاءهم في سورية والعراق يفتح الباب أمام إعادة تدويرهم في نزاعات أخرى، خاصة في غرب أفريقيا.
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock