أفكار ومواقف

جهاز للتنسيق بين المؤسسات الحكومية

قد يبدو اقتراح إنشاء جهاز يتولى التنسيق بين المؤسسات الحكومية مفاجئاً بعض الشيء، وخارجاً عن المألوف. لكن ثمة معطيات عديدة تستدعي تقليبه بروية، والتريث في النظر فيه. وإذ أقف إلى جانب الاقتراح، فعن اجتهاد شخصي يستند إلى قناعة بضرورة الأخذ به، لأن الضعف الواضح في التنسيق بين الوزارات والمؤسسات الحكومية لم تعد تخطئه عين، وتداعياته الملموسة على المنجز التنموي وخدمة المواطنين صارت القاسم المشترك لكل اللجان المختصة.
من لا يتذكر مسلسل شحنتي القمح المستورد أواسط وأواخر التسعينيات، والشكوك التي أحاطت بصلاحياتهما للاستهلاك البشري، وإحالة المسؤولية في الحالتين على تداخل الصلاحيات وضعف التنسيق؟ واليوم، نقف بانتظار تحديد المسؤولية النهائية عن هروب الباخرة سور، بعد أن كشفت لجنة التحقيق الوزارية عن أن المسبب وراء تمكن السفينة من الهروب هو تداخل المسؤوليات وضعف التنسيق. وفي الرقابة على جودة وصلاحية الغذاء، تعيش المحلات التجارية عذابات تعدد الجهات المختصة، والازدواجية في مسؤولياتها.
كذلك، يغرق المستثمر والمستورد في المتاعب إذا ما علق عند نقطة ما في الإجراءات الجمركية، أو عند نقطة ما في ضريبة المبيعات. وتكون حاله أسوأ إذا ما علق عند نقطة بين الجمارك والضريبة. ولعل آخر صرعات الدخول على مسؤوليات المؤسسات الأخرى ما تقوم به وزارة التخطيط منذ نحو عشر سنوات، بتنفيذ المشاريع الزراعية والصناعية والحرفية نيابة عن الوزارات المختصة، متجاوزة مسؤولياتها التي تنحصر في التمويل ومتابعة التنفيذ، ومتعدية على الوزارات في تنفيذ مشاريع تقع ضمن اختصاصاتها.
التنسيق بين المؤسسات أداة مهمة لتحسين فرص تحقيق الأهداف وتسريع الوصول إليها. ويؤدي التنسيق دوره من خلال منع الازدواجية في مسؤوليات وصلاحيات المؤسسات، ويحول دون نشوء النزاعات التنظيمية فيما بينها، ويتولى تحفيز عناصر التعاون لديها، ويقود في المحصلة إلى تكامل عمل المؤسسات، ومأسسة أدائها وزيادة فعاليته، وتوفير تكاليف التنمية والخدمات الحكومية، وتفادي مخاطر تبديد الجهد والوقت والمال، بسبب الازدواجية في الأدوار ونقص التعاون وضعف التكامل.
أهمية التنسيق الحاسمة، وضعفه الظاهر بين مؤسساتنا الرسمية، يستدعيان إنشاء جهاز رسمي متخصص، يتولى مساعدتها على القيام بالتنسيق فيما بينها بأفضل مستوى ممكن، ومتابعة التنسيق بنهج مؤسسي مستدام، وإزالة ما يعترضه من عوائق. قد يبدأ الجهاز التنسيقي المطلوب بوحدة في رئاسة الوزراء، ويتطور إلى مؤسسة مستقلة ترتبط مباشرة برئيس الوزراء، وترجع في ملاحظاتها ومقترحاتها وتقاريرها إلى مجلس الوزراء. وربما هي فرصة نطلب فيها من مجلس الوزراء ومؤسسة الرئاسة ضرورة أن يكون لديهما مطبخ إداري، مثلما نطالبهما دوماً بوجود المطابخ التقليدية الثلاثة: السياسي، والاقتصادي، والإعلامي.
مهام جهاز أو مؤسسة التنسيق المقترحة تنصرف إلى أربع خطوات: الأولى، حصر المسؤوليات والصلاحيات المكررة بين مؤسستين أو أكثر وإزالة الازدواجية منها؛ والثانية، التأسيس في التشريعات لإنجاح التكامل بين مهام المؤسسات وأعمالها؛ والثالثة، مراقبة التزام كل مؤسسة بحدود مهامها وعدم تجاوزها إلى مهام مؤسسات أخرى؛ والرابعة، متابعة المهام التنسيقية للمجالس القطاعية واللجان المشتركة الدائمة الثنائية والمتعددة، وإزالة ما يعترض طريقها من عوائق.
تنسيق العمل المؤسسي، ووجود جهاز أو مؤسسة حكومية متخصصة برعايته، يجنباننا النزاعات التنظيمية والمناكفات التي تنشأ عنها بين المؤسسات ويجعلها جزراً معزولة عن بعضها بعضا. وفي مرحلة تالية يكرس التعاون بين المؤسسات، والتكامل في أدائها، وجعلها تعمل كوحدة متكاملة؛ فينقلنا من مرحلة تقليل الخسائر في الجهد والوقت والمال، إلى مرحلة جني المكاسب بتحسين مستوى تحقيق أهداف السياسات والخطط والبرامج.

[email protected]

تعليق واحد

  1. وزارة تطوير القطاع العام
    اعتقد ان جزء كبير من المقترح يمكن ا ينفذ عن طريق وزارة تطوير القطاع العام فبعد خطة هيكلة المؤسسات الستقلة والدمج والالغاء يمكن التفرغ لعميات التنسيق ومراجعة المسؤوليات بحيث تصبح عملية مستمرة تطويرة مستدامة

  2. الاخ رامي
    شكرا على ملاحظتكم.
    ليت وزارة تطوير القطاع العام تقوم بهذا الواجب. فتشريعاتها لا تسمح لها بذلك. للاسف مهامها الحالية تنصرف الى منافسة ديوان الخدمة المدنية.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock