ترجمات

جولة العنف القادمة في غزة ستكون أكثر فتكا

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

نيري زيلبر – (فورين بوليسي) 8/5/2019
الهدنة الإسرائيلية-الفلسطينية أنهت القتال في غزة، لكنها لم تعالج القضايا التي تحركه.
* * *
تل أبيب – كل شهرين أو نحو ذلك على مدار العام الماضي، انخرطت إسرائيل وحماس في جولة فتاكة، وإنما محدودة نسبياً، من أعمال العنف -حيث تقوم الجماعة الإسلامية المسلحة بإطلاق الصواريخ من قطاع غزة، وترد إسرائيل بضربات جوية لمدة يوم أو يومين، إلى أن يتدخل وسطاء دوليون ويوقفوا القتال. وكانت الجولة الأخيرة التي اندفعت خلال عطلة نهاية الأسبوع قبل الماضي هي الأكثر فتكا منذ حرب العام 2014، لكنها جاءت متوافقة مع النمط.
ومع ذلك، ثمة إشارات اقتصادية وعسكرية وسياسية تدل على أن هذه قد يكون آخر جولات التصعيد قصيرة المدة. وفي غياب أي ترتيب دبلوماسي أكثر ديمومة بين إسرائيل وحماس، التي تحكم في غزة، من المرجح أن يكون الاشتباك التالي أوسع نطاقاً وأكثر دموية، والذي لن يكون من الممكن احتواؤه بسهولة.
كان السبب المباشر لهذه الجولة الأخيرة من العنف، مثل كل الجولات التي جاءت قبلها، اقتصاديا. فقد حاولت حماس كسر الحصار الذي دام 12 عاماً حول الجيب الساحلي من خلال الاستخدام المحسوب والمعايَر للعنف: التفاوض بواسطة الصواريخ وغيرها من الوسائل (بما في ذلك الاحتجاجات الجماهيرية على الحدود) من أجل الحصول على تنازلات من إسرائيل. وفي واقع الأمر، كان اتفاق وقف إطلاق النار -الذي يطلق عليه البعض اسم “الهدنة”- بين إسرائيل وحماس مطروحاً على الطاولة منذ الخريف الماضي. وفي مقابل وقف العنف، ستوافق إسرائيل على العديد من الخطوات المهمة، وتقوم بتخفيف القيود، من أجل تحسين الظروف الإنسانية القاسية في غزة.
مع تصاعد التوترات مسبقاً يوم الجمعة قبل الماضي، قال خليل الحية، المسؤول البارز في حماس، إنه على الرغم من الجدول الزمني المتفق عليه، فإن إسرائيل تتلكأ في تنفيذ بعض البنود في الصفقة. وقال “كل الخيارات مفتوحة ونعرف كيف نجعل اسرائيل تلتزم بالتفاهمات”. وفي صباح اليوم التالي، بدأت الجماعات الفلسطينية المتشددة بإطلاق الصواريخ على إسرائيل.
انتهت الأعمال العدائية بعد يومين، بشكل أساسي في نفس النقطة التي بدأت منها: مع مساومة الجانبين على اتفاق وقف إطلاق النار ذاته. وذُكر أن إسرائيل، من جانبها، التزمت الآن بالمضي قدماً بالتنفيذ بسرعة في الأيام المقبلة.
على المستوى الملموس، يدعو وقف إطلاق النار إلى نقل عشرات الملايين من الدولارات من النقد القطري إلى غزة كل شهر، لدفع رواتب القطاع العام لحماس، وتقديم الإعانات للفقراء والجرحى، ولبرنامج النقود مقابل العمل الذي ترعاه الأمم المتحدة لحوالي 15.000 من السكان المحليين. وبالإضافة إلى ذلك، سوف تُستأنف شحنات الوقود الممولة من قطر، وستتم إعادة توسيع منطقة الصيد قبالة سواحل غزة، وإعادة فتح المعابر إلى القطاع (وكلها أمور كانت إسرائيل قد حظرتها خلال الأسبوع الماضي).
كما يُعتقد بأن المشاريع الإنسانية والتنموية التي تدار بشكل أساسي بواسطة الأمم المتحدة جزء من الاتفاقية أيضاً، والتي ستساعد على إصلاح قطاعات الصحة والمياه والصرف الصحي والطاقة المدمرة في غزة. وسيتم تحسين توليد الكهرباء من خلال إصلاح محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة، وبعد ذلك من خلال إدخال خطوط جديدة لإمدادات الكهرباء والطاقة الشمسية من إسرائيل.
كما ذُكر أيضاً أن إسرائيل وافقت على رفع القيود المفروضة على استيراد ما تسمى بمواد الاستخدام المزدوج –التي يمكن استخدامها لأغراض عسكرية- إلى غزة، وتخفيف بعض القيود المفروضة على بعض الصادرات من غزة.
هذه قائمة طويلة من المطالب، والتي ستقطع، إذا ما تم تنفيذها، بعض الطريق نحو تحقيق الاستقرار في الوضع –لكنها ستعزز أيضاً قوة حماس، وهو ما تكره إسرائيل أن تفعله. ومع ذلك، في حال لم تتم تلبية المطالب، كما قال أحد سياسيي غزة لصحيفة تايمز أوف إسرائيل، فإن “كل الخيارات ستكون مطروحة”. وإذا كان هذا يبدو مشابهاً بشكل مخيف لتهديد يوم الجمعة الماضي، فستكون تلك هي النقطة. لكن المسؤولين الإسرائيليين لا يعترفون حتى بوجود وقف لإطلاق النار، ناهيك عن تقديم التنازلات التي يُطلب منهم تقديمها. ومن المحتمل أن لا يكون هذا جيداً بما يكفي هذه المرة.
بمصطلحات عسكرية صرفة، بدا أن الخيارات لدى كلا الجانبين في الجولة الأخيرة تتزايد باطراد. وقد أطلقت حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني وفصائل غزة الأخرى أكثر من 600 صاروخ وقذيفة هاون على إسرائيل في أقل من 48 ساعة، مما تسبب في حالة من الذعر واسع النطاق وأدى إلى توقف الحياة في كل جنوب إسرائيل. وقُتل ثلاثة مدنيين إسرائيليين بنيران الصواريخ -وهي أول حالات وفاة مدنية في الجانب الإسرائيلي منذ العام 2014 تأتي نتيجة للعنف الناشئ من غزة.
كان أداء نظام الدفاع الصاروخي “القبة الحديدية” الإسرائيلي جيدًا بشكل عام، إلا أنه ارتبك خلال واحدة من جولات القصف الفلسطينية المستمرة يوم الأحد من الأسبوع الماضي. ولأول مرة منذ خمس سنوات أيضاً، تم استهداف المدن الكبرى في جنوب إسرائيل على أساس مستدام بمقذوفات بعيدة المدى.
في الرد على ذلك، ضرب الجيش الإسرائيلي بشدة، حيث قصف أكثر من 300 هدف داخل غزة، بما في ذلك العديد من المباني متعددة الطوابق ومنازل القادة المتشددين الذين زُعِم أنهم يستعدون لشن عمليات عسكرية. وعلى سبيل المثال، بعد فترة طويلة من التوقف، استأنف الجيش الإسرائيلي ممارسة الاغتيالات المستهدفة لشخصيات ذات قيمة عالية، باستهداف شخص رفيع من حماس وآخر من الجهاد الإسلامي. وقُتل أكثر من 20 فلسطينياً خلال يومين من القتال، نصفهم تقريباً من المسلحين.
في هذه الجولة، اتخذ الجيش الإسرائيلي برئاسة رئيس الأركان الجديد، أبيب كوتشافي، مقاربة أكثر عدوانية في الرد على العنف الذي يخرج من غزة. وكتب المراسل العسكري الإسرائيلي المخضرم رون بن يشاي في بوابة أخبار Ynet: “هذه المرة على ما يبدو، تم رفع أي قيود كان جيش الدفاع الإسرائيلي يعمل تحتها”.. وفي هذا، يتبِّع الجيش ببساطة السياسة العامة والمزاج العام داخل إسرائيل بعد شهور من التصعيدات الدورية -مع تزايد فتك كل منها.
من جهته، انتقد زعيم المعارضة بيني غانتز، رئيس أركان الجيش السابق، سياسة الحكومة، مطالباً بشن بهجوم عسكري شامل على القطاع. وقال في ذروة أعمال العنف في عطلة نهاية الأسبوع الماضي: “يجب أن نستعيد الردع الذي تآكل بشكل كارثي منذ أكثر من عام”. ولعل الأمر الأكثر إثارة لقلق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كان الانتقادات واسعة النطاق التي جاءت من أنصار داخل معسكره اليميني بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار.
وقال أحد سكان جنوب إسرائيل: “أعتقد أن هذا فشل لنتنياهو، وأنا آسف لأنني أقنعت الناس بالتصويت لصالحه. إن غزة هي التي تقرر متى تبدأ حرباً ومتى توقفها”.
ووجه جدعون سار، وهو مسؤول كبير من حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو، انتقادات نادرة لرئيسه، وقال أن “الظروف التي تم فيها التوصل إلى وقف إطلاق النار غير مناسبة لإسرائيل… الوقت بين جولات العنف التي تستهدف إسرائيل ومواطنيها في تناقص، في حين أن الجماعات الإرهابية في غزة تزداد قوة. لم يتم منع الحملة (العسكرية)، وإنما تم تأجيلها”.
كان الشخص الواضح بصمته المطبق خلال تصعيد عطلة نهاية الأسبوع قبل الماضي (وما يزال) هو وزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان. وكان ليبرمان قد استقال مغضباً من حكومة نتنياهو في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بعد جولة مماثلة من العنف، والتي انتهت بوقف لإطلاق النار في غزة، احتجاجاً على ما وصفه بأنه “استسلام إسرائيل للإرهاب”.
بعد إعادة انتخابه الناجحة الشهر الماضي، يعتمد نتنياهو الآن على حزب ليبرمان الصغير لتشكيل ائتلاف في البرلمان. ومهما بدا ذلك غير معقول، فإنه يجري استمزاج ليبرمان للعودة إلى وزارة الدفاع. لكنه أعلن على الملأ أنه يريد، في مقابل تقديم دعمه السياسي، تلبية مجموعة من المطالب بما فيها إحداث تحول كبير في سياسة غزة.
وقال ليبرمان بعد الانتخابات: “لقد استقلت بسبب خلاف جوهري: رئيس الوزراء يدعم ترتيباً (مع حماس)، وأنا أؤيد قراراً عسكرياً في قطاع غزة. وهذا ليس فرقاً بسيطاً”.
في اليوم التالي لصمت الصواريخ والطائرات المقاتلة، أخبر نتنياهو الجمهور الإسرائيلي بأن “الحملة لم تنته وتتطلب الصبر والحصافة. نحن على استعداد للمتابعة. الهدف كان وما يزال ضمان الهدوء والأمن لسكان الجنوب”.
أما إذا كان هذا “الهدوء” سيتحقق من خلال اتفاق حقيقي لوقف إطلاق النار مع حماس (على الرغم من احتجاجات ليبرمان) أم من خلال هجوم عسكري، فهذا هو السؤال الأساسي الآن. وقد واصل زعيم الجهاد الإسلامي زياد النخالة تهديداته يوم الجمعة الماضي. وحذر من أن “التصعيد الأخير كان مجرد تدريب على إطلاق النار بالذخيرة الحية استعداداً للحملة الكبرى القادمة”.
*صحفي ومحلل للسياسة والثقافة في الشرق الأوسط وزميل مساعد في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. وهو مؤلف مشارك، مؤخرا، لكتاب “دولة بلا جيش، جيش بلا دولة: تطور قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، 1994-2018”.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: The Next Round in Gaza Will Be Deadlier

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock