أفكار ومواقف

جُمهوريَّة المكاتيب..!

ما يزال جيلنا يتذكرون التراسُل بالمكاتيب؛ الرسائل الورقية التي كنا نكتُبها باليد، ونضعها في مظاريف بيضاء ونودعها صندوق البريد بعد الدمغة والطوابع. وبعد ذلك ننتظر وقتاً، يطول أو يقصر، حتى تبلغ وجهتها في أيام أو أسابيع، ويجيشنا ردُّ الذي كاتبناه بنفس الطريقة. كان ذلك بالتأكيد مختلفاً عن رسائل اليوم، القصيرة بالهواتف الذكية والأطول بالبريد الإلكتروني. وفي الحقيقة، كما أتصوَّر، خدّرت طرائقُ التراسُل الجديدة الآلية هذه مشاعر التوقع القديمة، والخيبة عندما تتفقد صندوق بريدك فتجده خاوياً؛ وذلك التفاعل الذي لا يوصف مع ورق الرسائل المعطّرِ أحياناً، وروحانية الخط اليدوي –التي كانت كلها تجعل المكاتبة أجمل –ولو أقل عملية.
لكنّ من المدهش أن بعض المتراسلين بالمكاتيب أسسوا في وقت ما “جمهورية” وسجلوا أنفسهم مواطنين فيها: “جمهورية الرسائل” Republic of Letters. كان ذلك في “حقبة التنوير” الأوروبية في القرون السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر. وشهدت تلك الحقبة ظاهرة التواصل بالرسائل المتبادلة بين الفلاسفة والمفكرين وأساتذة الجامعات والعلماء والأطباء والمحامين وغيرهم من المثقفين من بقاع متباعدة جغرافياً شملت أوروبا والأميركيتين. ونسج هؤلاء، بالتراسل المنتظم، طائفة من الشبكات الدولية المرنة التي وضعت لنفسها قوانينها، والتي يصبح أعضاؤها جزءاً من المجتمع بمجرد كتابة الرسائل، وحُرم من المواطنة فيه أولئك الذين فشلوا، أو رفضوا الانضمام إلى “الجمهورية”.
كان الرجال المتعلمون، كما تقول الأدبيات التاريخية عن “جمهورية الرسائل”، (وبعض النساء، وراء الكواليس حصراً) يتشاركون المعلومات عن الأعمال قيد الإنجاز والكتب المنشورة، ويدردشون عن الزملاء والطلبة، ويعرضون تأملاتهم في سياسة الجامعات والمجتمعات، والأمراء، والكنيسة، ويحكون عن شؤونهم العائلية وأحوالهم الصحية. وكان القصد من الرسائل أن يُجاب عليها: كان التبادل مبدأ حاسماً، حيث عامل كتَّاب الرسائل عقيدة التواصل بإجلال. وكما تقول الأدبيات، التقت المثالية والبراغماتية في تكون نزعات المتراسلين والعلماء الذين تجاهلوا الفروقات السياسية والدينية لمحاوريهم. بل إنهم “تجنبوا مجرد الإشارة إلى أنهم يحترمون الخلفيات المختلفة للآخرين، لأن من الأكثر حكمة ألا يلفتوا الانتباه إلى ما يقسمهم. فبعد كل شيء، كان الأجدر والأنجع، في تبادل النصوص والأفكار، البحث عن أرضية مشتركة وليس التأكيد على الفروقات”. وكانت هذه الأعراف في “جمهورية الرسائل” الافتراضية، متحررة من تشاحن العلماء والمفكرين في العالم الواقعي.
يُقدر المؤرخون أن “جمهورية الرسائل” انتهت في أواخر القرن الثامن عشر، قرب نهاية “عصر التنوير”. ويعني ذلك أن هذه التجربة كان مُتعالقة عضوياً مع مشروع التنوير وأفكاره، كما يلخصها الكاتب مايكل ويلتون: “استقلال العقل وعالميته؛ الكمال والتقدم؛ مجابهة دوغما الدِّين وسلطته؛ ومبدأ التواصل الاجتماعي والتعلم من خلال الحوار؛ والاشمئزاز من القومية؛ والإيمان بـ”جمهورية رسائل” عالمية.
قد لا تبدو “جمهورية الرسائل” تلك شيئاً الآن أمام إمكانية التراسل التي تتيحها وسائل التواصل الاجتماعية والهواتف الذكية والحواسيب والإنترنت. ثمة الآن، كما قد يقول البعض، “جمهورية رسائل” أكثر عالمية واتصالاً وكثافة وقرباً. لكننا مع ذلك لا نعيش حقبة “تنوير”. والحقيقة أن ثمة فوارق. لا تشترط إمبراطورية التراسل الشاسعة العالمية اليوم انتماء مواطنيها إلى مملكة الفكر والفلسفة والعِلم. ولا أحد يفشل، عملياً، اليوم في تسجيل نفسه مواطناً بلا أوراق اعتماد في إمبراطورية التراسل الراهنة.
لا يحرص تراسل اليوم على تأكيد ما يجمع ونبذ ما يُفرِّق، بقدر ما يُبرز الاختلافات وينشر التفاهات ويعطي صوتاً للعصبيّات. ولعل أوضح إيجابياته كان تعميم الدعوة إلى مظاهرة وتحديد الزمان والمكان، دون أن يحشد على أساس أيديولوجيا أو فكرة أو مخطط. بل إن أبرز المستغلّين لهذا التراسل المؤتمتِ كانوا المُجندّين المتطرفين، وأجهزة الأمن التي تتعقب الناشطين، ومحترفي الدعاية التجارية. وبقدر ما استقبل الناس هذا التراسل الجديد الميسّر بالترحاب بداية، فإنهم يستيقظون الآن على اقتحامه الفظّ للخصوصية، وتعزيزه للفردية والعزلة، وخلطه الوهم بالحقيقة، وفتحه المساحات للخطابات التقسيمية والدعوات الإقصائية.
لا تبدو مملكة التراسل الاستبدادية العالمية التي تؤوي أخلاطاً الآن مبشرة بتنوير. ويبدو أنها تروِّج لعكس استقلال العقل والفكر العلمي وتُمكِّن الدوغما، وكل ما يناقض التنوير. وحتى إذا تراسل فيها الأساتذة والمثقفون، فلتبادل العزاءات، والثناء العارض، والاستعراض المُسطّح. وكأنما ذهبت مع جماليات المكاتبة القديمة جملة القِيم والمشاعر والآمال التي لا يبدو أنها ستعود!

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
45 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock