أفكار ومواقف

حاخامات الجيش

عقدت مجالس الحاخامات لثلاث أحزاب إسرائيلية أصولية رئيسة، اجتماعا مساء أول من أمس الإثنين، قررت فيه التأكيد على رفضها انخراط طلاب المدارس الدينية في الجيش الإسرائيلي، وتحريم الخدمة العسكرية عليهم. ودعتهم إلى رفض الخدمة مهما كانت العقوبة المتوقعة.
الأحزاب هي: “شاس”، ولديه 11 مقعداً في الكنيست؛ و”أغودات إسرائيل” (اتحاد إسرائيل)، بأربعة مقاعد؛ و”ديغال هاتوراة” (يافطة التوراة)، بثلاثة مقاعد؛ أي إن لدى هذه الأحزاب مجتمعة 18 مقعدا من أصل 120.
ويمثل الحزب الأول، “شاس”، اليهود الشرقيين. أما الآخران، فيمثلان اليهود الغربيين المتدينين إلى حد كبير.
هذا اجتماع غير مسبوق؛ إذ لم يسبق أن اجتمع حاخامات هذه الأحزاب لأجل أمر ما، لتكون هذه هي المرة الأولى التي يجري فيها لقاء من هذا النوع؛ ما يعكس حجم الخطر الذي يستشعره هؤلاء، بما يجعلهم يقررون التوحد، تكتيكياً على الأقل.
هذه الوحدة التكتيكية أدت إلى تمايز ثلاثة مواقف في الساحة الإسرائيلية، تعكس ثلاثة معسكرات سياسية رئيسة. ولكن الخلاف يعكس احتمالات مراجعة مجمل العقد الاجتماعي غير الرسمي الذي قام عليه الكيان الصهيوني، وتحديداً التفاهم الضمني والتسوية التاريخية بين الصهيونية والقوى الأصولية.
من الناحية السياسية، فإنّ الانقسام الأصلي حول مسألة مشاركة المتدينين الأصوليين، وتحديداً طلاب الشريعة اليهودية، في الجيش، كان قائماً بين تيارين: أولهما، الأحزاب الأصولية التي تعتبر دراسة الشريعة مبررا كافيا للإعفاء من الخدمة العسكرية، وأنّ الانقطاع لقراءة التوراة ودراستها أجّل وأشرف من أن يُخلط بالخدمة العسكرية. وهذه الأحزاب لا تؤمن، تاريخيا، بقيام الدولة اليهودية من الناحية الشرعية في الوقت الحالي، وتنتظر أحداثا تاريخية، منها ظهور المسيح، حتى يكون تأسيس الدولة ممكنا. وأحد هذه الأحزاب “اتحاد إسرائيل”، المُؤسَس العام 1912، ضد ظهور الحركة السياسية الصهيونية. وتاريخيا، وصل الآباء المؤسسون للكيان (الدولة)، والذين كانوا غالبا يساريين صهاينة، إلى تسوية مع الحاخامات، حصل بموجبها هؤلاء على صلاحيات واسعة في إدارة الشؤون الشخصية والاجتماعية والتعليمية لأبناء طوائفهم، مقابل عدم تصعيد معارضتهم للدولة، وعدم التشكيك بشرعيتها علنا. لكن في السنوات الأخيرة، طرح فريقان ضرورة تغيير وضع الأصوليين في الدولة، هما الفريق الصهيوني المتدين، والصهيوني العلماني.
الفريق الأول يريد تفسيرات جديدة للدين اليهودي، تلغي فكرة انتظار النبوءات التاريخية، وتلغي مسألة الفصل بين الدين والجيش، كما تلغي الحظر التوراتي على بناء الهيكل مكان المسجد الأقصى. أماّ العلمانيون، فيؤرقهم الاتساع الكبير في أعداد الأصوليين، خاصة أنّ ما يحدث حقاً هو أنّ الأحزاب الدينية باتت تحصل على كل امتيازات المواطنة، بل امتيازات لا يحصل عليها الآخرون، مثل الإعفاءات الضريبية والمساعدات التعليمية، فيما لا يقدمون في المقابل واجبات المواطنة؛ إذ لا يخدمون في الجيش، إضافة إلى عدم دفع الضرائب.
وعمليا، تصطدم الأحزاب الأصولية مع الأحزاب الصهيونية الدينية، لأنّ قاعدتها الانتخابية قريبة من بعضها، وتتنافس على الأصوات ذاتها. من هنا، تعارض بعض الأحزاب الأصولية الاستيطان على استحياء، ويتصاعد الخلاف مثلا بين “شاس” الأصولي، وحزب المستوطنين “البيت اليهودي” الذي يقوده حاخامات صهاينة. لكن، وعلى خلفية الخلاف الراهن، يغازل الصهاينة المتدينون، الأصوليين، بمعارضة طروحات حزب “يوجد مستقبل” الوسطي العلماني، الشريك في الائتلاف الحكومي، والذي يطرح فكرة أن يُسجن ويُجرّم من يرفض الخدمة العسكرية، حتى وإن كان طالب شريعة، والاكتفاء بأن تطال الصهاينة المتدينين عقوبات اقتصادية. 
في الخلاف جوانب تكتيكية، أحد اعتباراته الأصوات الانتخابية وكسب الشعبية في المدى القصير. لكن ثمة هنا “خلاف-صراع” استراتيجي محتمل، جوهره إعادة تشكيل الخريطة السياسية والذهنية الفكرية والدينية الإسرائيلية. وكانت الأحزاب الأصولية، وفي سبيل تحقيق الشعبية، وفي سياق العمليات الفلسطينية الاستشهادية والعسكرية إبّان انتفاضة الأقصى، قد جنحت نحو مواقف صهيونية في الشق المعادي للعرب؛ فوسعت نشاطها وخطابها من القضايا الاجتماعية والدينية وتحقيق المكاسب المالية لأتباعها، لتصعيد الهجوم العنصري ضد العرب والفلسطينيين.
الآن، تُدافع هذه الأحزاب عن قاعدتها الانتخابية التي ستفقدها إن ذهب طلاب مدارسهم الدينية إلى الجيش. إذ ستنهار منظومة سيطرتها لصالح الصهيونية المتدينة المنافسة، وانتصار الصهيونية المتدينة، أو تحوّل الأصولية كليّا للصهيونية وتأييد التغلغل في الجيش، ما سيعني وجها جديداً للصراع، فيه هجوم أصولي يهودي أكبر، بخطاب ديني أكثر وضوحاً وحدةً.

 

[email protected]

تعليق واحد

  1. على "كل" اليهود الخروج النهائي من فلسطين؟
    اليهود بعد قتلهم 43 نبيا من أنبياء الله انتقم الله منهم وشتتهم في الارض "وقطعناهم في الارض أمما" – قرآن كريم. كان اليهود قلة يعيشون في ديار العرب، ولكن شاء الله تشتيتهم لفجورهم وقتلهم الانبياء. ثم تجمعوا عنوة فوق أرض فلسطين وأسسوا دولة مصطنعة أسموها "اسرائيل" بدعم اوروبي روسي امريكي وغصبا عن أهل فلسطين المسلمين والنصارى. أسسوا دولة رغم أن الحاخامات العقلاء منهم والذين يفهمون التوراة والتاريخ والجغرافيا لا يؤيدون اطلاقا قيام دولة لليهود اسمها اسرائيل وينادون بوجوب ازالتها من الوجود ووجوب خروج اليهود منها والعودة لديارهم الاصلية – كروسيا واوروبا وغيرها. الآن يعيش يهود اسرائيل بلا بوصلة، والخلافات الدينية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية خلافات مستفحلة ولن يصلوا لاتفاق بشأنها اطلاقا. هذه حقيقة اليهود وتأصل الخلافات والافكار بينهم كما قال تعالى في قرآنه الكريم عنهم: "تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى". هذه الحقائق تعتبر بشرى للمسلمين والنصارى العرب بأن نهاية اليهود في فلسطين مؤكدة، وأنهم حتما سيخرجون منها إما سلميا بهروبهم منها والعودة لديارهم الاصلية في روسيا واوروبا، وإما إخراجهم بالقوة عندما يأتي موعد الوعد الرباني القاطع بأن العرب والمسلمين سيسحقوهم سحقا فوق أرض فلسطين. فهل يستمع اليهود لنصائح حاخاماتهم بوجوب الخروج من فلسطين وازالة دولتهم المصطنعة المسماة "اسرائيل"؟

  2. العدو واحد
    السؤال المهم لشعبنا المبتلي في هذا الكيان الصهيوني من الاكثر اجراما وقتلا هل هو الجندي العلماني ام المتدين ؟ اظن ان الطرفين مجرد بيادق في المشروع الكبير الاستيطاني الامبريالي وطالما هذا الكيان يؤدي دوره المرسوم تاريخيا لخدمه المصالح الكبرى في تركيع المنطقه واستعبادها لاجيال فلن تفرق معنا الهدف لن يتغير اما الوسائل ستبقى تأخذ الاوامر من نفس المصدر .

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock