أفكار ومواقف

حالة الإعلام العربي السائد..!

نأخذ دائماً على وسائل الإعلام الغربية السائدة انحيازها الواضح في التحليلات والتغطيات الإخبارية، غالباً ضد القضايا العربية.

لكنّ جل إعلامنا منحاز أيضاً، وفي كثير من الأحيان ضد القضايا العربية. والضحية الدائمة هي الحقيقة. ويمكن رصد التحيزات أوضح ما يكون لدى الفضائيات الكبيرة التي تمتلك الإمكانيات، سواء في كوادر التحرير أو المراسلين الذين يمكن نشرهم في الأماكن القريبة والبعيدة، وتصل إلى ملايين المتلقين.

ويُفترض– نظرياً- أن تتيح هذه الإمكانيات للفضائيات تغطيات أوسع ومن مختلف زوايا القضايا المعنية. لكنّها تعمل في معظم الأحيان لإبراز رواية اختارتها مسبقاً، ولا تهدف إلى إطلاع الناس على الحقيقة ليصلوا إلى استنتاجاتهم الخاصة بقدر ما تهدف إلى تصنيع رأي محدد بتعتيم الخيارات التي تعارضه.

سوف تشاهد أياً من الفضائيات العربية الكبيرة، وتعرف في خمس دقائق أين تقف من القضايا قيد العرض. وقد يكون الانحياز مبرراً قليلاً– ولو أنه لا يمكن تبريره- في القضايا العربية، لأن هذه المنافذ مرتبة أصلاً لكي تخدم خطاب الأنظمة والدول التي تعمل فيها، أو تحاول اختيار موقف يروق لعواطف الجمهور ولو على حساب الحقيقة.

لكن الإفصاح غير المتحفظ عن الانحياز في القضايا العالمية يسيء إلى مصداقية ونزاهة الإعلام العربي وسمعته بشكل إضافي.

وكثيراً ما يشعر المتلقون بأن هذه المنافذ تستخف بعقولهم وتستغبيهم، أو لا يجدون أسباباً وجيهة لانحيازاتها المفضوحة لأطراف في حوارات أو صراعات ليس العرب طرفاً مهماً فيها.

كان من الأمثلة المهمة على عدم مهنية الإعلام طريقة الفضائيات في تغطية غزو العراق في العام 2003. في ذلك الوقت، كانت بعض الفضائيات تستضيف محللين سياسيين وعسكريين يؤكدون للعرب فقط أن لدى العراق الإمكانية للتغلب على جيوش التحالف الأميركي– أو أنه سيلحق بها خسائر فادحة على الأقل.

وساهم ذلك التضليل في مضاعفة خيبة أمل العرب عندما أظهرت الأحداث غير ذلك. كان هؤلاء يلعبون بوضوح على العواطف ويقولون للناس ما يريدون سماعه، ليتضح أنهم إما شديدو الغباء أو محترفون في الكذب.

اليوم، شاهد تغطية معظم الفضائيات الكبيرة العربية –أو الناطقة بالعربية- للحدث الأوكراني، وستعتقد أنها كلها محطات أوكرانية أكثر من الأوكران.

سوف يتشكل لديك انطباع لدى متابعة المراسلين والمحللين والأرقام أن الجيش الروسي لا يلحق خسائر إلا بالمدنيين والمباني السكنية، وأنه يُمنى بخسائر فادحة ولا يكاد يوقع أي خسائر عسكرية يُعتد بها بالجيش الأوكراني. وسوف تجعلك التغطيات تتبنى رواية الغرب فقط حيث لا وجود تقريباً للرواية الأخرى.

يجب بالتأكيد إبراز معاناة المدنيين في الحروب، وعرض الدمار والتداعيات، كجزء من سياق ينبغي أن يُعرض كله، بما في ذلك الخلفيات والأسباب التي أدت إلى الأزمة ودور كل الأطراف في خلقها.

وعند الحديث عن التطورات العسكرية، يُفترض أن لا تبدو التغطية الإخبارية وكأن أصحابها متطوعون مسلحون يقاتلون في الجبهة مع أحد الأطراف ويحاولون قتل الآخر.

سوف تشاهد “الخبراء العسكريين” الذين تستضيفهم هذه الفضائيات يجاهدون لإقناعك بأن الإمكانيات العسكرية الأوكرانية أفضل من الروسية، وأن الجنود الأوكران أشجع من الروس، وأن الميزان العسكري يميل لصالح الأوكران بلا جدال.

وعندما سِئل أحدهم عن كيفية إيصال الأسلحة الغربية التي يؤكد أنها ستقلب ميزان الحرب، قال إن بالوسع تجاوز السيطرة الجوية الروسية بأن يحمل أفراد الصواريخ المضادة للطائرات والدبابات على ظهورهم وينقلونها من الحدود إلى الجبهات.

كيف ذلك، حتى لو كان وزن القطعة 15 أو 20 كيلوغراماً؟ وأي عدد سيصل بهذه الطريقة ليقلب وجهة الحرب؟

وفي مناسبة أخرى، اضطر محلل عسكري إلى الاعتذار والتلعثم وإظهار التردد قبل اقتراحه أن انسحاب الأوكران من بعض المدن بلا قتال ربما ينسف نظرية “حرب المدن” التي سيواجهها الروس.

كان المحلل يغامر بوضوح بأن لا يُستشار مرة أخرى. ويقول كاتب في موقع (أوريان 21) الفرنسي: “وصل الأمر إلى تحوّل المعلقين إلى مستشارين عسكريين يشرحون للأوكرانيين -المدنيين والعسكريين- كيفية استعمال تكتيكات حرب المدن بوحدات صغيرة”. وهذا يصف ما يفعله معلقونا بدقة.

سوف تكون تغطية منحازة للروس سيئة وعارا على الإعلام بنفس المقدار. وسيكون ما يريده مستهلك المادة الإعلامية هو الموضوعية والحياد والحقيقة.

ومع افتقار معظم الإعلام العربي إلى هذه المعايير، ليس غريباً أن يفقد العرب ثقتهم في إعلامهم المنخرط في التضليل، الذي يصبح المؤهل الموثوق لممارسة المهنة.

المقال السابق للكاتب 

موقف العرب من الحرب..!

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock