أفكار ومواقف

حالة غير مدهشة

سميح المعايطة

ثوابت الصراع العربي الصهيوني لن تتغير، فالاحتلال هو الاحتلال، والعدوان عدوان، والشهيد شهيد، لكن علينا أن نعترف أن تعامل العالم العربي دولا وحتى بعض الشعوب تغير كثيرا عند حدوث أي عدوان إسرائيلي على أي جزء من فلسطين.

لم يعد مدهشا أن أياما من العدوان على غزة لم تستطع إخراج أكثر من مسيرة أو اثنتين في عواصم العرب، ولم يعد مدهشا أن يكون الحماس لمباراة كرة قدم أكثر من الحماس ضد الاحتلال، ولم يعد مدهشا أن يكون مستوى التضامن والتعاطف مع غزة شخصيا في داخل نفوس الأفراد وربما يكون هناك منشورات على مواقع التواصل أو دعاء وجزء ليس قليلا هو لأداء الواجب، وهذا لا يعني أن الناس تكره غزة ولكنه تغير الأولويات والانتقال من مرحلة التعامل مع القضية الفلسطينية على أنها قضية العرب الأولى إلى مرحلة التضامن والتعاطف.

هذا لا يعني أن ما كان سابقا يحرك الجيوش في شوارع العرب لكن كانت الحرارة عالية والغيرة مختلفة، والقضية ليست فقط في اتفاقات السلام بين الدول واسرائيل بل هناك ما هو أبعد، فحتى داخل الإطار الفلسطيني فإن سلطة رام الله مثلا تتعاطف مع غزة وتصدر بيانات سياسية تماما مثلما تفعل أي دولة أخرى.

القضية ليست في العدوان الأخير على غزة بل هي حالة متكررة خلال العقدين الأخيرين، حيث بدأ منسوب مناصرة فلسطين يتغير ولم تعد فلسطين القضية المركزية للعرب دولا وربما العديد من الحالات الشعبية.

وعلينا ألا نغمض عيوننا عن واقع مهم وهو ان الجميع سواء من لهم معاهدات مع اسرائيل او من ليس لديه اتفاق يتعاملون بذات الوسائل وهو الضغط السياسي في حده الأقصى، وحتى السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير فمثلها مثل أي دولة وتمارس ذات الفعل، وربما تحاول منع مسيرات “التضامن” مع غزة، فضلا عن هدوء حدود السلطة مع الاحتلال.

قديما كانت المسيرات تطالب بفتح الحدود لقتال إسرائيل لكن الحدود اليوم لا تحتاج لقرار من أي دولة عربية فهناك حدود للسلطة مع إسرائيل وحدود لغزة وحتى لبنان فحدوده تحت سيطرة حزب الله وإيران، لكن لكل طرف حساباته مثلما هي الدول التي تتهمها الجماهير بالتخاذل، وليس هناك حدود تريد أن تدفع ثمنا لصالح الآخرين.

الأمر ليس رسم صورة سوداوية لكن الواقع يقول إن التعاطف انتقل إلى مرحلة متأخرة لدى قوى شعبية ورسمية، والأمر حتى على صعيد بعض الشعوب انتقل إلى مرحلة إرضاء الضمير بشتم إسرائيل والعرب وتوجيه التحية لغزة ثم الانتقال إلى الحياة العادية من مهرجانات ومباريات وسهرات واكتظاظ في المطاعم والأسواق.

ما دام الانقسام الفلسطيني الذي زاد عمره اليوم على 15 عاما قد اصبح جزءا من واقع القضية الفلسطينية، وما دام طرفا السلطة حريصين على الاحتفاظ بسلطتين وحكومتين وجهازي أمن وقائي ومخابرات، فليس غريبا أن تتغير مكانة فلسطين لدى الآخرين ما دامت عند طرفي المعادلة تضامنا مع الآخر في سلطتي الضفة وغزة.

وعلينا ألا نغمض عيوننا عن أن العدوان الصهيوني في كل مرحلة له عنوان، فاليوم حرب على الجهاد الإسلامي وقبل ذلك على حماس وفي الحالة العربية والفلسطينية هنالك خصوم ورافضون لحماس أو للجهاد وبالتالي ينعكس هذا على التعامل مع العدوان ولو بشكل غير علني.

مؤسف ما نقول لكن الأمور تتغير ولعلنا في الأردن الأكثر حرصا على بقاء قوة دفع عربية ضد الاحتلال لتحقيق الحق الفلسطيني والدولة الفلسطينية الحقيقية التي تمثل مصلحة أردنية عليا، لكن الحالة ليست مثيرة للدهشة، والمقدمات تصنع النتائج، وعندما تصبح مصافحة محمود عباس لإسماعيل هنية في الجزائر قبل أشهر خبرا مهما فليس غريبا أن تتراجع القضية الفلسطينية على أجندة شعوب ودول.

المقال السابق للكاتب 

اللاجئون السوريون.. ملف مهمل

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock