ترجمات

حان وقت اتخاذ القرار في أوروبا

كارل بيلدت*

مع اقتراب موعد الانتخابات الأوروبية في أيار (مايو) من العام المقبل، لم يعد هناك مجال للتقاعس. فبعد أهوال الاستفتاء لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترمب في العام 2016، تجددت الآمال مع انتخاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الام 2017. لكن آفاق أوروبا ارتدت في العام 2018 عائدة إلى حالة من عدم اليقين الشديد -ويتجلى هذا في أوضح صوره في فرنسا ذاتها. ولم يعد بوسع أحد أن يجزم بما سوف يجلبه العام 2019 على القارة من أحداث أو مفاجآت.
* * *
ستوكهولم ــ لك أن تقول ما تشاء ضد الاتحاد الأوروبي، لكنه لا يفتقر إلى المشاريع الطموحة أو الخطط اللازمة لتحقيقها. فبعد الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في حزيران (يونيو) 2016 مباشرة، وافقت دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرون الأخرى على “خريطة طريق براتيسلافا”، التي ترسم المسار إلى مستقبل من دون المملكة المتحدة. ثم اجتمع قادة الاتحاد الأوروبي بعد عام واحد في تالين حيث اعتمدوا “أجندة القادة” التي ترمي إلى “توجيه عمل الاتحاد الأوروبي إلى أن يحين موعد انتخابات البرلمان الأوروبي المقرر إجراؤها في أيار (مايو) 2019. والآن، يستعد الاتحاد الأوروبي لعقد اجتماع قمة في مدينة سيبيو في رومانيا، في ذات الشهر، حيث من المقرر أن ينتهوا من إعداد هذه المخططات.
غير أن الحكم على الاتحاد الأوروبي يتوقف في نهاية المطاف على النتائج، وليس القرارات. وعلى مدار العقد الماضي، واجهت الكتلة تحديين عميقين، وهي الآن في طور التصدي لتحد ثالث. وكان التحدي الأول متمثلاً في أزمة اليورو، التي كانت لتنتهي إلى زوال العملة المشتركة. ولكن ما حدث بدلاً من ذلك كان انعقاد سلسلة من اجتماعات القمة، وتمكنت أوروبا من الخروج من أزمتها. ثم بمرور الوقت، بدأت اقتصادات الدول الأعضاء تتعافى، وجرى اعتماد أدوات جديدة لتنسيق السياسات الاقتصادية داخل منطقة اليورو.
ولكن، بمجرد أن بدأ الاتحاد الأوروبي يستعيد الثقة العامة، ضربته أزمة اللاجئين في العام 2015، التي أثرت على بعض البلدان أكثر من غيرها، مما كشف عن تناقضات صارخة في تطبيق قواعد مشتركة في ما يتصل بحركة الناس. ومنذ ذلك الحين، سجل عدد طالبي اللجوء المسافرين إلى أوروبا انخفاضاً كبيراً، لكن المخاوف من العودة إلى ذكيرات العام 2015 تظل تطارد الناخبين. وعلى نطاق أوسع، نستطيع أن نلمس إدراكاً متنامياً للكيفية التي قد تهدد بها الصراعات في الشرق الأوسط والاتجاهات الديموغرافية في أفريقيا الاستقرار الأوروبي.
وهنا يأتي التحدي الثالث: انسحاب المملكة المتحدة الوشيك من الاتحاد الأوروبي. فمع فشل رئيسة الوزراء تيريزا ماي حتى الآن في تأمين الدعم البرلماني لاتفاق الخروج الذي توصلت إليه المفاوضات، أصبحت بريطانيا في خضم أزمة سياسية كاملة النطاق، ولم يعد أمام قادة الاتحاد الأوروبي أي خيار غير المراقبة من الخطوط الجانبية في حين تتوالى فصول الدراما الحالية. وقد أصبحت الدولة التي كانت ذات يوم تقود العالم عاجزة الآن عن قيادة ذاتها.
مع اقتراب موعد الانتخابات الأوروبية، لم يعد هناك مجال للتقاعس. فبعد أهوال الاستفتاء لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترمب في العام 2016، تجددت الآمال مع انتخاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الام 2017. لكن آفاق أوروبا ارتدت في العام 2018 عائدة إلى حالة من عدم اليقين الشديد -ويتجلى هذا في أوضح صوره في فرنسا ذاتها. ولم يعد بوسع أحد أن يجزم بما سوف يجلبه العام 2019 على القارة من أحداث أو مفاجآت.
إن ما نعلمه الآن هو أن الحوكمة في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي أصبحت أكثر تحدياً مع خسارة الأحزاب السياسية الرئيسية الكبرى دعم الناخبين لصالح أحزاب وحركات حديثة العهد من اليسار واليمين. وفي هذا المشهد السياسي متزايد التفتت والاستقطاب، أصبحت عملية تشكيل حكومات وطنية متزايدة الطول والصعوبة؛ حتى أن السويد نفسها تتبع هذا النمط البائس الجديد.
ما يزيد الطين بلة هو أن النمو الاقتصادي في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي يبدو في تباطؤ ملحوظ -وكان هذا حتى قبل اندلاع الاحتجاجات الحاشدة في فرنسا والمواجهة في إيطاليا مع الاتحاد الأوروبي بشأن الميزانية المقترحة. وفي حين سعت الحكومة الشعبوية في إيطاليا إلى إلقاء اللوم عن المشاكل التي تعيشها البلاد على عاتق بيروقراطية الاتحاد الأوروبي في بروكسل، فقد استجاب ماكرون للمخاوف الشعبية بالدعوة إلى وضع مؤسسات أقوى على رأس الاتحاد الأوروبي.
لكن كلا المنظورين يتجاهلان حقيقة أن التغيير يعتمد على إجراء إصلاحات داخلية مؤلمة سياسياً. وفضلاً عن ذلك، وبصرف النظر عن الوقت الذي ربما تظله المستشارة أنجيلا ميركل في منصبها، بات من الواضح بالفعل أن الدعم الألماني لما يسمى “اتحاد النقل” ليس بالأمر الوارد. ومكمن الخطر الآن هو أن تتسبب حالة عدم اليقين السياسي في ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والمملكة المتحدة، في خلق الفرصة للشعبويين والديمقراطيين غير الليبراليين من أمثال رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لبناء المزيد من الجدران (مادياً ومجازياً) وحشد أشباح القومية.
علاوة على ذلك، أصبحت بيئة أوروبا الخارجية أكثر خطورة. فعلى الرغم من أن انتباه العالَم منصب حالياً على المخاطر المترتبة على تصاعد الحرب التجارية الصينية الأميركية، فإن التهديد المتمثل في احتمالات نشوب صراع مدمر بنفس القدر بين ضفتي الأطلسي لا يجوز تجاهله. ويبدو أن ترمب يصدق حقاً أن السيارات الألمانية التي تسير في شوارع نيويورك تشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي. وإذا استيقظ ذات صباح فقرر فرض رسوم استيراد ثقيلة على السيارات الأوروبية، فقد تزداد الأمور سوءاً على سوء، وبسرعة بالغة. والواقع أن العديد من صناع السياسات الأوروبية، الذين أصبحوا مقتنعين بالفعل بأن عمالقة التكنولوجية في الولايات المتحدة يشكلون تهديداً للأمن الأوروبي، سوف يرحبون بالفرصة لاتخاذ تدابير أكثر قوة ضدها. وإذا ردت الولايات المتحدة بالمثل، فسوف تتكاثر الخسائر بسرعة.
لا يستطيع المرء أن ينسى أيضاً التحديات الجيوسياسية والإنسانية المتزايدة في البلدان الواقعة على أطراف الاتحاد الأوروبي. ويبدو ترمب، الذي يحركه هوسه بإيران، عازماً على تعقيد وتصعيد الصراعات الجارية في الشرق الأوسط. ومن السخف أن نتصور أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن قد يمتنع عن التدخل في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة في أوكرانيا؛ إذ يشير حصار روسيا لمضيق كيرتش -نقطة الدخول إلى بحر آزوف المهم استراتيجياً- والحشد العسكري في شبه جزيرة القرم إلى أن أوروبا لا يجوز لها أن تخفف من حذرها.
من أجل إدارة هذه التحديات وغيرها في المستقبل، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يعيد تعريف ذاته، بدءا من العام 2019. ففي بيئة جيوسياسية متزايدة الخطورة، لم يعد بوسع الاتحاد الأوروبي أن يعتمد على القوة الناعمة فحسب. وكما هو الحال مع كل الحكومات، يتعين عليه أن يبدأ في التحضير للثورة الرقمية، أو أنه سيجازف بتكبد تكاليف قاسية في الأمدين القريب والبعيد.
لا شك في أن خريطة طريق براتيسلافا، وأجندة القادة، وقمة سيبيو القادمة، كلها أمور جيدة -بل وحتى ضرورية. ولكن، في حين كان العام 2018 عاماً من الارتباك، فسوف يكون العام 2019 عام اتخاذ القرار. ويتعين على قادرة أوروبا أن يواجهوا الحقائق الوحشية في عالَم متغير. وعندئذ فقط قد يثق الناخبون في قدرتهم على شق مسار جديد نحو مستقبل من السلام والازدهار.

*كان وزير خارجية السويد من العام 2006 إلى تشرين الأول (أكتوبر) 2014 ورئيس الوزراء فيها من العام 1991 إلى العام 1994، عندما تفاوض على انضمام السويد إلى الاتحاد الأوروبي. وهو دبلوماسي دولي معروف، شغل منصب المبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي إلى يوغوسلافيا السابقة، والممثل الأعلى للبوسنة والهرسك، ومبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى البلقان، والرئيس المشارك لمؤتمر دايتون للسلام. وهو رئيس اللجنة العالمية لحوكمة الإنترنت وعضو في مجلس الأجندة العالمي التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي حول أوروبا.

*خاص بـ”الغد”، بالتعاون مع “بروجيكت سنديكيت”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock