أفكار ومواقف

حتى آخر نفس

هي أيام مباركة، يجتمع فيها الأردنيون على “قلب رجل واحد”، ويوحدون حديثهم، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.
هي أيام مباركة. توقد فيها المصابيح حتى الفجر، يصاب فيها الأهل بالأرق، ويدمنون الأمل. كيف لا، فهي أيام امتحانات التوجيهي!!
في اللحظة التي تبدأ فيها تلك الامتحانات، يصبح الأردني رقيقا، متفهما، ومهتما، حتى لو لم يكن في بيته طالب توجيهي. فجميعنا نعلم ماذا تعني سنة التوجيهي للأردني. إنها خطوته التالية التي يمكن أن تفتح له باب المستقبل، أو أن تكون كبوة قصيرة، أو ربما.. نكبة دائمة.
على مدى سنوات عمري، رأيت عائلات من جميع الطبقات، ترقّي أبناءها، وتنذرهم لمستقبل واعد، وهي تؤهلهم عاما بعد عام نحو التوجيهي. إنه الاسم الأغلى، والاسم الأصعب. هي سنة الحصاد.. أو سنة الجدب.
الأردني، وخلافا لكثير من الشعوب، حتى العربية منها، يظل محتفظا باعتقاد جازم؛ أن الدراسة مفتاح أساسي لكي يحسن معيشته، ولكي يحسن موقعه الاجتماعي، وأيضا لكي ينتقل من طبقة إلى طبقة أخرى أكثر رحابة ويسرا.
هل هذا يعني أن تفكيره طوباوي؟!!
ينبغي أن لا نعتقد ذلك.
على مدار عمر الدولة الأردنية، رأينا كيف أن التعليم كان مفتاح النجاح لشخصيات عصامية، أنبتت نفسها من عدم في السلم الرئيسي للوظائف العامة العليا. رأينا أبناء حراثين يتقلدون أعلى المناصب، لأنهم عبدوا طريقهم بالعلم الذي كان أساسه مدرسة ابتدائية متهالكة، أو مجلس كتّاب، فاختار صاحبه أن يكمل الطريق، لعله يرى نورا في آخر النفق.
لا يمكن أن نكون مريضين بالوهم، ثمة أمثلة عديدة، وثمة نجاحات لا يمكن إغفالها، يظل يتشبث بها حراثون من إربد، ورعاة أغنام من الكرك، وبائعو بسطات من مخيمي الوحدات والبقعة، يشعلون الأمل في خطى أبنائهم الذين يودعون التعليم المدرسي نحو الجامعة، ويؤشرون عليهم قائلين: ها هم أمل الغد.
جميعنا مرضى بالأمل. جميعنا لم نصل سن اليأس بعد. وجميعنا ما نزال نحتفظ بالأمنيات التي أنبتناها ذات خصب.
هل ترون كلامي شاعريا؟
حسنا إذن. اسألوا أي أردني، سوف يجيبكم بتلقائية كبيرة عما يعنيه التوجيهي. وأيضا عما يمثله التعليم بالنسبة إليه. سوف يكونون سواء؛ الوزير الذي يعلم ابنه في مدرسة دولية وينفق آلاف الدنانير عليه، مع ماسح الأحذية الذي تذهب ابنته مشيا إلى مدرسة وكالة الغوث وتحصل على وجبةٍ مجانية.
جميعهم يتشبثون بالعلم.. وبالأمل.
ها هم أبناؤنا اليوم يقدمون امتحاناتهم، ويجتهدون وهم يتنافسون على تخصصات يرون أنها سوف تكون مفتاح المستقبل بالنسبة إليهم. يتنافسون عليها جميعهم، ويعرفون أن مشوار التعب لم ينته بعد، لكنهم يعلمون جازمين أن سنة التوجيهي هي الباب، وهي الطريق نحو تحقيق آمالهم، والآمال التي وضعها أهلهم على عاتقهم.
أبناؤنا يتقدمون اليوم لامتحانات التوجيهي، ونعلم جميعنا كم كانت هذه السنة صعبة واستثنائية ومحبطة في كثير من جوانبها. لكنهم لم يقدموا اليأس على الأمل، فها هم يرتبون أولوياتهم وحياتهم، ويحاولون أن يلملموا فوضى السنة الغريبة، لكي ينطلقوا إلى خطوتهم التالية.
جميعنا نتشبث بالأمل، وبالنسبة إلى الأردني.. العلم هو الأمل.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock