أفكار ومواقف

حتى تكتمل الحزم التحفيزية الاقتصادية

لا يتوقف الجدل حول الحاجة لرفع الحد الأدنى للأجور بين المطالبة المشروعة للعمال ونقاباتهم به لمجاراة الارتفاعات الفلكية بكلف المعيشة وبين تحفظات جديرة بالاهتمام من قبل القطاع الخاص وغرف الصناعة والتجارة في ظل ما تعانيه المؤسسات الخاصة من أعباء وتحديات صعبة تحد من قدرتها على التحرك بمرونة على هذا الصعيد، فيما تحاول الحكومة مسك العصا من النصف لكن التردّد والعجز عن حسم القرار يطغى على سلوكها وموقفها حتى الآن.
اللجنة الثلاثية للعمل المشكلة من أصحاب العمل وممثلي العمال والحكومة تراوح مكانها منذ عدة أشهر، بل وقل منذ أكثر من سنة، وهي تخوض بحثا ونقاشا وخلافا حول اتخاذ قرار برفع الحد الأدنى للأجور، بينما تبدو الظروف حاليا قد نضجت -كما يبدو- للإقدام على اتخاذ هذا القرار لكن الخلاف والتجاذب ينصب على مستوى الرفع وقيمته، وهو خلاف يهدد بمزيد من المطمطة والترحيل للقرار ما يستدعي تقدم دور الحكومة للحسم سريعا باعتبارها صاحبة الولاية.
ورغم تحفظ أصحاب العمل على مبدأ رفع الحد الأدنى للأجور وعلى نسب الرفع المقترحة حاليا، فإن الجميع يتفقون على أن الحد الأدنى المعتمد حاليا وهو 220 دينارا يعد متواضعا ولا يوفر الحد الأدنى من متطلبات الحياة للعامل الفرد ناهيك عن عائلته، في ظل الارتفاعات المتواصلة والمتراكمة لكلف المعيشة وأرقام التضخم وازدياد الأعباء الضريبية وتآكل الأجور، الأمر الذي يوفر بيئة طاردة للعمل من القطاع الخاص من جهة، ومن جهة أخرى بيئة خطرة اجتماعيا وأمنيا في ظل تعزيزها لحدة الفقر والفاقة للعاملين وما تولده من مشاكل وآفات مجتمعية لا تقف آثارها السلبية عند العامل وأسرته فقط بل تمتد بشرورها وأضرارها للمجتمع والدولة والمجموع العام.
يتفهم الجميع حجم الأعباء التي تتحملها الصناعة والمؤسسات الخاصة الأردنية منذ عدة سنوات، والتي فاقمت أزمتها وضربت قدراتها على الصمود والمنافسة في ظل نهج اقتصادي رسمي أثبت فشله حيث الاعتماد على توسيع سلة الضرائب ونسبها وخفض وإلغاء الدعم للمواطن المستحق ولمكونات الانتاج المحلية وعدم الالتفات للأثر التدميري لارتفاع كلف الانتاج والتشغيل للقطاعات الصناعية والزراعية والتجارية لمستويات قياسية والتي فاقمها ضرب القدرات الشرائية للمواطنين في ظل ذات النهج الاقتصادي.
إلا أن كل ذلك لا يمنع من التأكيد على الحاجة لرفع الحد الأدنى للأجور وتحسين الظروف المعيشية للعاملين بالقطاع الخاص ليس فقط كحاجة ملحة لهؤلاء العاملين وأسرهم ولتحصين المجتمع من الآثار السلبية للفقر والفاقة بل وأيضا لصالح مؤسسات الانتاج الخاصة التي يعد العنصر البشري رأسمالها الأساسي، حيث إن الأمر الطبيعي أن ينعكس كل تحسين واهتمام بالمستوى المعيشي للعامل والموظف على انتاجه وعمله وانتمائه لمؤسسته، وأي استثمار بزيادة الانفاق على العامل يصب على المديين المتوسط والبعيد في صالح المؤسسة وانتاجها وتطورها.
الحكومة مطالبة هي الأخرى بمغادرة مربع المماطلة والتردد في حسم رفع الحد الأدنى للأجور باعتبارها صاحبة الولاية العامة والمسؤولة عن تقدير المصلحة العامة والتوازنات بين أطراف الانتاج. وقد يكون مطلوبا منها النظر بتقديم حوافز وتسهيلات للقطاع الخاص ومؤسساته تساعدها على تحمل كلف رفع الأجور وتحسينها وذلك بخفض بعض كلف الانتاج والتشغيل كأسعار الكهرباء وبعض ضرائب المواد الخام ومدخلات الانتاج وغيرها من إجراءات ضمن معادلات محسوبة وتنموية ومتكاملة.
الحزم التحفيزية الحكومية الايجابية للاقتصاد الوطني، التي اتخذت أخيرا ويفترض أن تستكمل بأخرى قريبا، لا تكتمل ولا تستقيم دون تحسين مستويات الأجور بالقطاع الخاص وتطوير بيئة العمل فيه ليحل محل القطاع العام كمشغل رئيسي للأردنيين في دولة الانتاج والكفاية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock