ترجمات

حتى تكون وسيط سلام، على أميركا فهم أسباب رفض الفلسطينيين “صفقة القرن”

محمد الدجاني الداودي* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 10/2/2020

خلال الأسبوع الذي تلا الإعلان عن خطة السلام، لم تعلُ فعليا أي أصوات فلسطينية مؤيدة لخطة الرئيس دونالد ترامب للسلام بين إسرائيل وفلسطين التي أعلن عنها في 28 كانون الثاني (يناير) 2020، بعنوان “صفقة القرن”، سواء بشكل علني أو في المجالس الخاصة. ويعارض الرأي العام الفلسطيني بشدة هذه الخطة الأحدث الداعية إلى جلب الإسرائيليين والفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات. وعليه، من شأن إدارة ترامب أن تستفيد من أخذ المسائل المطروحة على محمل الجدّ، مع التركيز بشكل خاص على سبب معارضة الفلسطينيين الشديدة لهذه الخطة.
من خلال التركيز على سبب ردّ الفلسطينيين بهذا الشكل على هذه الخطة، آمل أن أطرح مسارًا لتعديل الخطة نفسها وطريقة إعدادها، كي يعزّز اقتراح أميركي مماثل السلام فعلياً. لكن فهم إخفاقات هذه الخطة الحالية بالنسبة للفلسطينيين هو الخطوة الأولى فحسب؛ ومن المرجح أن تعديل الخطة وصياغتها لتكون نقطة انطلاق مقبولة يتطلب من كافة الأطراف قيادات شجاعة لديها نوايا حسنة تجاه بعضها البعض وكذلك الرغبة في التغيير.
لسوء الحظ، يفتقر الاقتراح الحالي إلى هذا العنصر. وما كان واضحا خلال هذه العملية هو أنه في حين كان يتمّ الإعداد للخطة منذ أعوام، بالكاد كانت تتم استشارة الفلسطينيين بشأن أي من تفاصيلها، ما جعلهم يشعرون بالإهانة والمذلة. وعلى نحو مماثل، كان عدد الإسرائيليين المطلعين على سير الأمور مقارنةً بغياب أي دور للفلسطينيين في العملية مثيرا للسخط. وقد تجلى ذلك يوم الثلاثاء خلال كشف الرئيس ترامب النقاب عن “صفقة القرن” في واشنطن.
اعتبر الفلسطينيون الحضور الحصري للقادة الإسرائيليين واليهود إلى جانب القليل من السفراء العرب، إضافةً إلى الغياب التام لأي تمثيل فلسطيني، بمثابة دعوة للدول العربية إلى التخلي عن الفلسطينيين واحتضان الإسرائيليين -وليس دعوة إلى إظهار الاحترام المتبادل وإجراء مفاوضات. وفي ظل المنحى الإقليمي السائد مؤخرا للتركيز على مسائل أخرى، يخشى الفلسطينيون على نحو متزايد من تهميش دعوتهم إلى إنهاء الاحتلال وإقامة دولة لهم في سائر دول العالم العربي.
في الواقع، يعتبر الفلسطينيون أن هذه الصفقة كانت في الحقيقة بمثابة تفاوض بين يهود إسرائيل ويهود أميركا. وحقيقة أن جاريد كوشنر كان الراعي لمساعي التفاوض وكذلك مهندسها الرئيسي خير مثال على ذلك. وعموما، لا يرى الفلسطينيون أي موضوعية من جانب كوشنر، معتقدين بدلا من ذلك أنه يُظهر تقديرا كبيرا واحتراما للإسرائيليين في حين يزدري الفلسطينيين بشكل كبير.
أما المسألة المهمة الثانية -ناهيك عن عدم إشراك الفلسطينيين في المفاوضات- فهي أن الصفقة تُظهر عدم اكتراث بمعالجة مخاوف الفلسطينيين ورأيهم. وبدلًا من التركيز على نتيجة تصبّ في مصلحة الطرفين وتشدّد على الفوائد العائدة عليهما، قدّم واقع أطر الصفقة الأولية ما يعتبره الفلسطينيون هزيمة مذلة لهم وانتصاراً واضحاً للإسرائيليين، بطريقة يشعر فيها الفلسطينيون بأن قبول هذه الصفقة بأي شكل سيكون بمثابة استسلام وتنازل، وليس عرض سلام متوازن.
في الحقيقة، تجرّد الصفقة فعليا الفلسطينيين من الحق في إنهاء الاحتلال والحصول على دولة وبالتمتع بالاستقلال والحرية والهوية الوطنية -مشترطةً بدلا من ذلك إقامة دولة فلسطينية ضمن الحدود التي تضعها إسرائيل وليس التي ينص عليها القانون الدولي. كما تتعارض الصفقة مع الكثير من أحكام مبادرة السلام العربية للعام 2002 التي وافقت عليها جامعة الدول العربية، وهي وثيقة ربما يمثل بأفضل طريقة الخطوط الحمراء ونقاط المساومة بالنسبة للفلسطينيين.
تقع مسألة الاعتراف بدولة فلسطين ضحية هذه المعاملة غير المتساوية. فقد سبق أن اعترفت “السلطة الفلسطينية” بحق دولة إسرائيل بالوجود، وفي حين تطالب الصفقة بمثل هذا الاعتراف من حركة “حماس” بغية المباشرة بالمفاوضات، تنص الخطة على أن الغرض منها هو الاعتراف المتبادل، لكنها تسمح ضمنا بعدد من الظروف حيث ستكون إسرائيل معفاة من الاعتراف بدولة فلسطين.
ومن خلال حصر فرص إقامة دولة فلسطينية بهذه الطريقة، تنتهك الصفقة بوضوح القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. كما تناقض “إعلان المبادئ” للعام 1993 وكذلك “اتفاقيات أوسلو” (وهي اتفاق وقعه الفلسطينيون والإسرائيليون والولايات المتحدة)، إلى جانب إطار عمل قضايا الوضع الدائم الخمس الذي يحظر الضمّ أحادي الجانب. كما تحدد الخطة ضمناً مساراً بعيداً عن حل الدولتين الذي يُعد النهاية المقبولة دوليا للصراع الحالي.
أما بالنسبة للقضايا الرئيسية للصراع الحالي، فتقدّم الصفقة أيضا إطار عمل يصعّب على أي فلسطيني القبول بالخطة ككل. فهي تمنح صراحةً شرعية وسيادة إسرائيلية كاملة على مدينة القدس المقدسة، وكذلك المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس، بما ينتهك وضعها القانوني الدولي الحالي.
ومن خلال اعتبار القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، تحرم هذه الخطة العرب الفلسطينيين القاطنين في القدس من تطلعاتهم التاريخية وتعارض إجماعا دوليا عاما بأنه من المفترض أن تكون القدس الشرقية العربية العاصمة المستقبلية لدولة فلسطين.
وإذ تتناول مواضيع دينية رئيسية، تنحرف الخطة حتى عن الوضع الراهن المتعلق بحالة الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس، وبخاصةٍ الحرم الشريف؛ ثالث أقدس المواقع في الإسلام. وتخضع هذه الأماكن المقدسة حاليا لوصاية دائرة الأوقاف التابعة للسلطات الأردنية، لكن الخطة تقترح أن تتمكن “الأديان كافة” من الصلاة في هذا الموقع -في اختلاف مثير للجدل إلى حدّ كبير عن الوضع الراهن. ويخشى الفلسطينيون من أن يشجع اقتراح مماثل الإسرائيليين على الاستيلاء على الموقع وتدميره بغية بناء معبدهم الخاص.
وناهيك عن الانحياز ببساطة لمصلحة التطلعات الإسرائيلية بشأن نقاط التفاوض الرئيسية تلك، فإن شرعنة الصفقة لسياسات إسرائيل المستمرة المتعلقة بالضمّ غير القانوني وتوسع السيطرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة تجعل الصفقة تبدو منحازة إلى إسرائيل بشكل خاص في أنظار الفلسطينيين.
بغض النظر عما تزعمه الصفقة بشأن دعم الفلسطينيين، فهي في الواقع ليست مصممة لتعزيز ميول الاعتدال ضمن المجتمع الفلسطيني. وفي المقابل، من شأن الترويج لمثل هذا الاقتراح الأحادي أن يؤجج الإيديولوجيا المتطرفة للصراع المسلّح العنيف، لأنه يشير إلى أنه لا يمكن الوثوق بالولايات المتحدة كوسيط نزيه. وللأسف، يقوّض هذا المسعى الأخير لإجراء مفاوضات كامل مقاربة التفاوض والدبلوماسية الرامية إلى التوصل إلى حل للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.
إذا ما تمّت صياغة “صفقة القرن” التي أعدّها ترامب بطريقة ترمي إلى دفع الفلسطينيين إلى رفضها على الفور، فإنها تكون قد حققت هدفها. ولكن إذا كان المقصود منها خلق الأمل وتحقيق السلام والأمن والازدهار، فمن المؤكد أن هناك حاجة إلى خلق الإحساس المفقود بالتوازن.

*زميل مساعد في معهد واشنطن، أسس حركة “الوسطية” للإسلام المعتدل. عمل سابقاً أستاذاً للعلوم السياسية بجامعة القدس في القدس.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock