أفكار ومواقف

حتى لا تعمل المدن ضد نفسها

تمثل الصداقة أحد مؤشرات التمدن، وقدرة أهل المدينة على الارتقاء بحياتهم وحماية أنفسهم من الخواء والعزلة. لكن الصداقة تمثل جزءا قليلا من حياة الناس وأوقاتهم؛ فالجزء الأكبر منها تستهلكه العلاقات الاجتماعية والمهنية، في العمل والجيرة والمناسبات واللقاءات، وتتطور هذه العلاقات في أحيان كثيرة إلى صداقات شخصية وعائلية تتجاوز الزمالة والرفقة، لكنها في حدها العام المتوسط تحقق للناس قدرة على العمل المشترك، وبناء علاقات اجتماعية ومهنية ضرورية للحياة والعمل. وفي ذلك فإنه لا يمكن اختيارها أو تجنبها؛ فهي تتشكل في فضاءات لا يختارها الشخص بنفسه، ويظل بحاجتها اجتماعيا وعمليا، ويؤدي التفريط بها إلى خسائر وتضحيات شخصية ومهنية.
هنا يكون ثمة ضرورة وحاجة لملاحظة التمدن العام في العلاقات الاجتماعية والسلوك، وأن تساهم المدن والمدارس ووسائل الإعلام والتواصل في بناء قيم التمدن التي تساعد أهل المدينة على العمل والعيش معا. ويمكن في اللقاءات اليومية، وفي اجتماعات العمل، ملاحظة أنماط عدة من السلوك التي تلحق ضررا بالعمل والعلاقات، وتغمر الناس بمشاعر وطاقات سلبية تجعلهم يشعرون بالضيق والرغبة في عدم المشاركة العامة والاجتماعية.
ومن ذلك الأصدقاء والزملاء الذين يطيلون الحديث والاستطراد بلا توقف، ولا يستمعون جيدا إلى غيرهم، ويقاطعون المتحدثين، ويهيمنون على المجلس أو الاجتماع ويبعدونه عن أهدافه ومقاصده؛ فتشعر أنك بحاجة إلى العزلة، وأن تعالج نفسك بعد هذه اللقاءات والاجتماعات وتخلصها مما حلّ فيها من طاقة سلبية وغثاء. وقد تشعر بصداع وآلام جسمية، وبتشنج في عضلات جسمك ومفاصلك، وضغوط صحية ونفسية، بسبب الغيظ والتوتر لأنك لم تستطع أن توقف ذلك، ولا أن تعبر عن رأيك أو تواجه الخطأ… فهذا الشعور بالأذى مع العجز عن ردّه أو إيقافه، يزيد الآلام النفسية والجسمية، ويضعف أداء وعلاقات أهل المدن والأعمال. ولا يمكن تجنب المواجهة والمصارحة مع هؤلاء الناس، ليكون ممكنا تحويل اللقاءات والاجتماعات إلى مصدر للفائدة والاستمتاع، بدلا من النكد والهدر.
وأسوأ من المتحدث “كثير الهرج” الذي يتحدث كثيرا ويقاطع ولا يستمع، ذاك المستغرقُ في نفسه، الذي لا يكف عن الحديث عن مغامراته وبطولاته وإنجازاته وأولاده وسيارته وفطوره وأشيائه ومقتنياته! فهو يزيد الهدر والضغوط في أحاديث لا تهم المشاركين والزملاء. وأسوأ منه الذي يبالغ ويكذب في حديثه (يخرط)، وأنت تعلم أنه يبالغ ويتخيل. وربما يعلم أنك تعلم، لكنه بحاجة للحديث، وأن يجد مستمعين، أي مستمعين، ولو كانوا عابري سبيل.
وأسوأ من هذه الفئات الثلاث (الثرثار، والنرجسي، والمنفصل عن الواقع) المتطفل الذي يستهلك اللقاءات والاجتماعات بالحديث في خصوصياتك وقضاياك، ويقدم لك النصائح والاقتراحات والانتقادات.
وأسوأ منه الكاره والمليء بالمشاعر السلبية والحسد والكراهية تجاه الآخرين، ويتظاهر بعكس ذلك، لكنك ترى عقله الباطن واللاواعي واضحا، يدل عليه لحن القول وخائنة الأعين. وأسوأ منه المتعصب الديني الذي يحسب أن من واجباته أن يقوم بالحسبة على الناس بيده ولسانه، بفظاظة وغلظة قلب، وهو يحسب أنه يحسن صنعا. ويتعالى بتدينه على الناس، ويحسب أنه أحسن منهم. فالمتعصب الديني هو جاهل بالضرورة؛ ولو كان يعرف الدين لما تعصب لرأي أو موقف أو سلوك ديني، لما في الدين من سعة وتعدد في الفهم والتأويل والاتباع.
وأسوأ منه الكاذبُ المدعي في حديثه ووعوده وأفعاله، والمتظاهر بمعرفة بواطن الأمور، وصداقاته وعلاقاته مع الملأ من علية القوم. وأسوأ منه من يقدم نفسه في كل مناسبة أو مجلس، لكل من يلقاه، يعرفه أو لا يعرفه، بأنه البطل الخارق في مواقفه وشجاعته. ولا يمل الحديث عن بطولاته اليومية، وبخاصة كلمات الحق التي يُسمعها للمسؤول الجائر، فتحسب أنه يستشهد كل يوم ثم يبعثه الله. وأسوأ منهم جميعا المهووس الذي لا يكاد يتحدث سوى عن الجنس، وإيماءاته “بلا قافية”، ومغامراته الجنسية (الخيالية)، ويستعرض قصصه وتعليقاته بلا حياء؛ فيقرف عيشة الناس وذوقهم.
علاقات العمل والحياة اليومية في المدن ومجالسها، لا يصلح فيها البخيل أو الشره، أو الثرثار الذي يقاطع ولا يصغي، أو النرجسي، أو المنفصل عن الواقع، أو الكاذب، أو الكاره، أو المتعصب، أو الدعيّ، أو المهووس؛ فهؤلاء يحولون المدن ومؤسساتها ومجالسها للعمل ضد نفسها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock