أفكار ومواقف

حتى لا نحمل الفيروس أكثر مما يحتمل

كتب أحد الأصدقاء المقيمين في ألمانيا على صفحته على فيسبوك نقلاً عن بروفيسور علم الفيروسات الألماني الشهير هندريك شريك انتقاده لنفاق العالم الغربي في تعامله مع الأوبئة وفقاً لتأثره بها: ففي الوقت الذي يتقاعص فيه «العالم المتحضر» عن إيجاد لقاح للفيروس المسبب لمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، والذي أودى بحياة 37 مليون إنسان حتى الآن، منهم أكثر من 70 % يعيشون في القارة الافريقية، نجده يعلن حالة الطوارئ ويستنهض كافة مخابره، وعلمائه، ومراكزه البحثية في مواجهة فيروس كورونا بسبب تأثره به.
لقد أماط هذا الوباء اللثام عن الوجه القبيح لبعض مناحي الحضارة الغربية والكيل بأكثر من مكيال، والذي يمارسه هذا العالم حتى في مجال لا يحتمل التحيز مثل: الصحة والمرض على اعتبارهما خطوطاً حمراء لا يجوز المس بها، وليس مفاجئا أن يكون معظم ضحايا الفيروس من أفراد الأقليات العرقية في المجتمعات الاقتصادية الكبرى.
ولا يقتصر هذا على الوباء فقط، فلطالما اتهمت الأنظمة الصحية بمحاباة الأغنياء، وذوي اللون الأبيض على حساب الأقليات العرقية الأخرى. وهذا ما ذهب البعض الى تسميته
بـ”أبارتايد الطبي” على غرار نظام الفصل العنصري في جنوب إفريفيا سابقا.
ولا تشكل التفرقة العنصرية مجرد ممارسات فردية، وإنما هي موجودة في جوهر الأنظمة الغربية، وتطالُ كافة مناحي الحياة السياسية، والاقتصادية والعلمية، والاجتماعية، والتي تغذي بعضها بعضا.
لقد نشرتُ العديد من الأوراق البحثية، التي بينت حجم الهوة بين الإثنيات المختلفة في كافة مجالات الصحة المختلفة: ففرصة السيدة الأميركية من أصول افريقية في الشفاء من سرطان الثدي على سبيل المثال أقل من مثيلاتها من ذوات اللون الأبيض، كما أن نسبة الشفاء من سرطان عنق الرحم لدى السيدات الأميركيات من السكان الأصليين أقل بكثير من مثيلاتها من العرقيات الأخرى.
يتهم البعض فيروس كورونا أنه فيروس متحيز: فهو يستهدف الفئات الأضعف والأشد فقرا سواء على المستوى الدولي أو داخل الدولة الواحدة، وتستوي في هذا الأمر الدول الغنية، والفقيرة، لكن لا يمكن اتهام الفيروس أنه العلة في قصور الأنظمة الصحية، والاقتصادية، والاجتماعية الذي تعاني منه المجتمعات، فلا يعدو دور الفيروس على كشفه عن غياب العدالة في هذه المجتمعات التي تعاني من تفاوت كبير في الوصول الى الرعاية الصحية والاجتماعية، وتفشي الأمراض المعدية منها، وغير المعدية داخل المجتمعات المُهمشة ويخشى أن يوغل غياب العدالة في مرحلة ما بعد انتهاء الجائحة: نتيجة الركود الاقتصادي الذي بدأنا نشهد تداعياته وآثاره المدمرة، فوفقاً للتوقعات والدراسات فإن الوضع الاقتصادي المتردي سيتعمق خلال السنوات القادمة.
والفيروس عندما يصيب البشر ويفتكُ بهم إنما يتصرف حسب طبيعته، ويمارس وظيفته، وهو لا يفرق بين ضحية وأخرى طالما وجد التربة الخصبة المناسبة له، لكن من يتحمل المسؤولية في التفرقة بين الضحايا هو الإنسان الذي يصنع أنظمة تتغلغل العنصرية والتفرقة وغياب العدالة عميقا في بنيتها.
عالمياً، تفرض الجائحة على الدول قواعد جديدة من حيث استحالة النجاة الفردية فلا يمكن لدولة أن تعلن النصر في معركتها ضد الفيروس منفردة، لذلك يتوجب على جميع الدول التضامن للقضاء على هذا الوباء، ولا شك أن القضية تتعدى بعدها الإنساني الى بُعد مصلحي بحت، وإلا فان هذه الجائحة ستمكثُ بيننا إلى ما قدر الله.
لقد فعلت الجائحة فعلها وكشفت عن الهوة الواسعة في الحصول على الرعاية الصحية بين الدول والمجتمعات بالتساوي، بل وساهمت في تعميق هذه الهوة التي لن يكون بالإمكان ردمها دون تحقيق تضامن دولي حقيقي، إن لم يكن لأسباب إنسانية فليكن لأسباب مصلحية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock