السلايدر الرئيسيالغد الاردنيتحليل إخباري

حتى لا نصحو على حلم ليلة صيف.. كيف نوقف تذبذب “الثالوث الحزبي”؟

محمود الشرعان – تزدحم الساحة السياسية الأردنية هذه الأيام بحراك حزبي، أطلقه إقرار توصيات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية وقانوني الانتخاب والأحزاب، وتبدو الوعود براقة ومغرية بإقبال المملكة على حياة حزبية ونيابية كاملة الدسم، حركت المياه الراكدة سياسيًا بحثا عن دور لسياسيين وحزبيين في المرحلة السياسية المقبلة، التي تقف على رأس وعودها الوصول إلى الحكومات البرلمانية الحزبية.

رغم هذا الحراك، الذي تقوده أحزاب قائمة وشخصيات سياسية نافذة لم يسبق لها الخوض في العمل الحزبي، فإنه يظهر جليًا أمام أعين المتابعين للشأن العام، حجم وكثرة العقبات المتمركزة في طريقنا الإصلاحي، وأمام تبلور عمل حزبي حقيقي وفاعل يحمل المرحلة باستحقاقاتها القادمة.

ثمة شبه اتفاق -ولو بشكل صامت- بين الجميع في الأردن، شعبيًا وحزبيًا وحكوميًا، أن الحياة الحزبية في البلد لا تبدو بخير، وهناك من يقرع جرس الإنذار، تحذيرًا وتخويفًا من الواقع الذي يكاد أن يطرح أرضًا ويعيق كل ما بدأ به ويعول عليه لسنوات قادمة من إصلاح منشود>

وقد يكون هذا جزءًا من تشخيص الأزمة الحاصلة، التي تخرج من دائرة الأخطاء المقبولة وتدخل في سياق التوهان والوهم، وربما يعيد الجميع إلى سنوات مضت حينما كانت الحياة السياسية “معطلة”.

جزء من الأزمة يتجلى في استمرار فشل عدة أحزاب “تاريخية” قائمة، في إعادة ترتيب أوراقها الداخلية بما يتواءم مع قانون الأحزاب الجديد، مع مضي ساعة الزمن المحددة بعام، وتحديدًا ما يتعلق بقضية رفع عدد أعضاء الحزب عند انعقاد المؤتمر العام إلى ألف عضو مؤسس، وأن يكون الأعضاء من سكان (6) محافظات على الأقل، إضافة لنسبة مشاركة الشباب والمرأة والأشخاص ذوي الإعاقة.

وينعكس ذلك في محاولات وإرهاصات تراوح مكانها أو تتعثر هنا وهناك من بعض الشخصيات السياسية الساعية لتأسيس أحزاب كبيرة لمواكبة المرحلة القادمة، إلا أنها تصطدم مع شرط القانون وعدد المؤسسين وضرورة تجميعه، ناهيك عن الانشقاقات التي بدأت في بعض التجارب قبل أن تكتمل.

قد لا تكون العقبة المتمثلة بمدى التواءم مع شروط القانون الجديد للواقع الحزبي الأردني، هي فقط ما يعرقل مسيرة بعض الأحزاب ذات الأيديولوجيات الكلاسيكية، وأيضا الجديدة الناشئة والمتمحورة حول شخصيات سياسية بارزة، أو تلك المركبة على الأهداف والبرنامج، وهنا ندخل في دوامة التساؤلات حول قدرة الأحزاب المركبة أو القائمة على شخوص، على خلق توافق داخلي دون وجود أيديولوجيا واضحة.

كما تظهر تساؤلات أعمق عن قدرة الأحزاب التاريخية على إعادة صياغة طرحها السياسي والاقتصادي المعروض في العلن، فالعمل الحزبي المطلوب اليوم يختلف عمّا كان عليه في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فالأيديولوجيا والصراع الفكري على أهميته يتراجع لصالح صراع البرامج والمشاريع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن لا يفهم هذه الحقيقة فسيصعب عليه الحصول على جزء من كعكة الـ41 مقعدًا نيابيًا، والمخصصة للقائمة الوطنية الحزبية تحت قبة العبدلي في الدورة القادمة.

وهذا يتعلق بالقانون، والعائق قد لا يكون تشريعيًا بقدر ما هو متعلق بواقع الحياة السياسية في الأردن عمومًا، فبعض الأحزاب -تحت التأسيس- لا تجد من يجلس معها ليسمعها أو يسألها عن برامجها وأهدافها، كما لا تجد من يصفق عند نهاية كلمة المتحدث الرئيس في أي لقاء بسيط، وهو غيض من وقائع حدثت في الفترة الماضية.

أزمة الأحزاب ليست أعظم من أزمة الثقة الشعبية، وصدمة عدم إقناع الشارع بدخولنا مرحلة حزبية جديدة، كما يظهر أن كل ما علق في ذاكرة العمل الحزبي “تحت الأرض” طوال سنين عجاف، بات يشكل هاجسًا حقيقيًا لدى شريحة كبيرة من الجمهور المفترض للأحزاب، وهو ما يستدعي جهودا جبارة لإخراجه منها.

ويكشف استطلاع رأي أجراه مركز مؤشر الأداء – كفاءة، أن 46 % من الأردنيين يعزفون عن العمل الحزبي لأسباب أمنية، و25.9 % لعدم الثقة بالتجربة والبرامج الحزبية، و19.5 % لعدم الثقة بالقيادات الحزبية، وذلك يعني أن الخوف القادم من الأحزاب لا يزال يعيش في ذاكرة الشارع، رغم التعهدات الرسمية والعليا بتأمين العمل الحزبي من أي ملاحقة.

تعزيز ثقة الأردنيين في أنفسهم وقدرتهم على النهوض بالأداء العام والحزبي على وجه الخصوص، واجب أساس اليوم على كل مواطن وعلى النخب السياسية.. والمسؤولين بالدرجة الأولى، من خلال أدوات حقيقية فعالة، وليست فقط بالخطابات الرسمية أو الوعود البراقة التي لا تصمد عند أول اختبار، كما يجب علينا كقواعد رافدة للأحزاب الإيمان بضرورة وجودها في السلطة التشريعية والتنفيذية، في السنوات المقبلة.

وتقول الشواهد التاريخية إن الحالة الأردنية العامة قادرة على تحقيق المنجز الحزبي والوصول إلى هدفها الأسمى من خلال الأدوات الدستورية المتاحة، ببساطة، لكن ذلك يتطلب تحقيق ثلاثة شروط رئيسة؛ أولًا: إعادة إنتاج أو ترميم الأحزاب لأنفسها، ثانيا: إعادة ثقة الأردنيين بقدراتهم السياسية، وذلك يبدأ من الشرط الثالث؛ المبني على السلطة التنفيذية الحالية، اللاعب الرئيس وربما الوحيد في المشهد الأردني وضرورة أن تاخذ دورها المحفز الحقيقي لا المعيق والمعرقل.

الوزر الأكبر في تعقيد المشهد الحزبي الأردني، تتحمله لسنوات طوال الحكومات المتعاقبة، ومنها الحكومة الحالية، فهناك كثير من التجاوزات الواقعة على أبناء الأحزاب “غير المدجنة” سياسيًا، وهو ما تؤكده استقالة أكثر من 15 شخصًا في حزب معارض معظمها نتيجة ضغوط.


كما يوجد نحو 65 استقالة على طاولة حزب ناشئ، بينما ما تزال بعض عمادات شؤون طلبة الجامعات تعتبر الإطارات السياسية والقوى الحزبية داخلها من “المصائب والمصاعب التي عليها إنهاؤها”، إضافة إلى ما يقال عن توقيفات مرتبطة بقضايا الرأي والتعبير والذي لا يتوافق مع المسيرة الإصلاحية.

إذا طلبت تنمية الحياة الحزبية حقيقة، فيتوجب أن يكون هُناك شفافية أكثر، فالمطلوب من الحكومة تسهيل عمل الأحزاب لا معاقبتها على ذلك، فمن غير المقبول ونحن على عتبة مرحلة تاريخية حاسمة، أن يتم محاسبة شاب لمجرد التعبير عن رأيه أو أن تستفسر الحكومة عن أسباب انتسابه وتناقش أفكاره. لا ليس هذا دورها ولن يكون، وهو ما يشوه المرحلة برمتها.

من الممكن أن يتم تحميل الحكومة وأذرعها النصيب الأكبر من تأزم الحالة الحزبية الحالية، ومن خلالها تستطيع حلحلة الأزمة المتشابكة، فعليها تجاوز كل المراحل السابقة وفهم تفاصيل المرحلة الحزبية القادمة، وعدم إضاعة الفرصة الممكنة، ووقف كافة التجاوزات غير المقبولة الحاصلة، حتى يتسنى للأحزاب رمرمة عملها وتقديمه من جديد بما يليق بنا كأردنيين، وذلك كله يخدم الإيمان القائل بأن صفحة جديدة قد بدأت.

وبالحقيقة، ربما يُقنع أيضًا رأي مسؤول سابق -حزبي سابق- أن “على الحزبيين العمل حتى ولو كان الضغط أكبر، فهناك “كلفة” للعمل الحزبي ولمن يريد الوصول إلى السلطة وليس “قمرة وربيع””، وهو ما نتفق عليه، مع وجود تجاوزات حكومية غير مقبولة لكنها قد لا تكون ممنهجة، خاصة وأن التشريعات اليوم تساعد أبناء الأحزاب على العمل تحت الشمس وبالشارع، في ظل الحاجة الوطنية للأحزاب والتي لا تتطلب “أحزابا بفنادق الخمسة نجوم”.

يطول شرح المخرج والمهرب من الأزمة التي تتسع، يومًا بعد يوم، إلا أن المطلوب بين أيدينا وليس صعبًا أو مستحيلًا لكنه يحتاج لإرادة وشجاعة، للبدء به، حتى لا نستيقظ على كابوس خطير، ومحصلة سوداء لنكتشف أن كل ما رسمناه كان مجرد وهم وحلم ليلة صيف.

اقرأ أيضا:

الأحزاب والعشائر من يلغي الآخر؟

الخصاونة: هذه الفئة يجب ألا تنتمي للأحزاب

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock