صحافة عبرية

حدود الانتقاد

هآرتس

عميره هاس

3/9/2019

هل من المسموح توجيه انتقاد لمجموعة اجتماعية مقموعة ومضطهدة ومسلوبة منذ وقت طويل؟ هل من ينتمي للمجموعة التي تضطهد له الحق في المشاركة في الانتقاد؟ هذه اسئلة تقلقني كل يوم، كمراسلة لشؤون الاحتلال الاسرائيلي. هذان ايضا سؤالان ضروران لم يطرحا في العاصفة المناوبة الاخيرة التي ثارت حول لسان يارون لندن الطويل. ولكنها مصاغة بين اقواله حول الثقافة العربية.
وما أن تلاشت العاصفة، حتى وعدونا بمسلسل جديد لاذع لرون كحليلي، الذي يوثق كراهية الاسرائيليين للعرب بدون تجميل. ومن الآن هم يتنبؤون بأنها لن تخلق شروخ في مقاربتنا التسلطية. لأن ثقافتنا الاسرائيلية تشكلت خلال عشرات السنين من السيطرة على شعب آخر، طرده ونزع ملكيته، ومن خلال الحاجة الى اخفاء وتبرير هذه الافعال ونية مواصلتها وتطويرها.
لا توجد ثقافة قفزت وهي مكتملة من حضن التاريخ. الثقافة هي ديناميكية، تنشأ وتواصل التشكل من مرفقات وتقاطعات للسلوكيات والابداعات البشرية والجغرافيا، ومن عمليات تاريخية واقتصادية، احتلالات اجنبية وكوارث، تنقلات قسرية واملاءات مناخية، نضالات تحرر فاشلة وناجحة. أي اذا كنا في ثقافتنا الحالية وقحين ومتسلطين وجشعين للقوة ونهمين للارض وعنصريين، فهذا ليس بسبب جيناتنا اليهودية، بل بسبب الظروف التي جعلتنا نكون سارقين والارتزاق من السلب.
العنصرية والتمييز في الجنس ليسا سببين لعدم المساواة المرضي، بل هما وسيلتان لحماية وتطوير حقوق زائدة جرفت مجموعات اجتماعية أو جنسية أو قومية خلال عشرات ومئات وآلاف السنين. في مرحلة ما العنصرية والتمييز في الجنس يحصلان على حياتهما وشخصيتهما، يصوغان القوانين، يوجهان المحاكم الدينية والقومية ويشكلان التفكير الديني، العسكري والعلمي. هما يتحولان الى طبيعيين جدا الى درجة أن أحدا لا يشعر بهما. ومن جهة اخرى، المجموعات التي اضطهدت واستغلت وعانت من العنصرية مئات السنين لا تخلو من العيوب. هكذا، نحن الاسرائيليون نحب جدا التقارير عن الفساد في السلطة الفلسطينية وقتل النساء والمشاجرات بين العائلات في الوسط العربي وقيادة جامحة وتقديس السلاح (المضطهد يحاكي من يقوم باضطهاده) والقاء القمامة في الفضاء العام والفساد في حماس وقمع المثليين واقوال هراء وجهل يتم نشرها في وسائل الاعلام الفلسطينية. موقف التفوق الاسرائيلي يسمح لنا بادخال كل جزئية في حياة نتنياهو تحت المجهر من اجل عرضه كسلبي أو ايجابي حسب مزاجنا، من خلال تجاهل السياق الضروري للقمع والسلب.
ولكن هل يجب ربط كل ظاهرة سلبية فقط باوضاع الخنوع متعددة السنوات وصدمة نزع الملكية المتواصلة منذ العام 1948؟ متى العنف في المجتمع الفلسطيني هو نتاج للغضب المكبوت الذي يثير تنكيلنا بهم؟ وأين هذا الغضب التي تعتبر النساء والاطفال ممتلكات، ومن النزاعات العائلية على الممتلكات؟ متى اللامبالاة التي يظهرها زعماء فلسطينيون تجاه شعبهم تنبع من كونهم رهائن في أيدي اسرائيل والشباك، وأين هي طبيعية لقادتهم لكونهم قادة يريدون الحفاظ على مكانتهم؟ هذه اسئلة يفحصها الفلسطينيون طوال الوقت، بدرجة أقل في وسائل الاعلام وبدرجة أكثر في المحادثات الداخلية.
هل يمكن احداث تغيير ايجابي ووقف عمليات التفكك الاجتماعي، تحت الخطر الدائم للطرد والقتل وفي الوقت الذي ندير فيه حروب الاستنزاف الاقتصادي والنفسي لنا ضدهم؟ رغم الاحتمالات المنخفضة، على جانبي الخط الاخضر توجد مجموعات وتنظيمات فلسطينية تستمر في الايمان بذلك والسعي اليه.
الامر الواضح هو أن اغلبية الاسرائيليين الذين يعتقدون أنه يحق لنا السلب والنهب، ولا يرون ثقافة الطرد العسكرية التي طورناها، لا يحق لهم انتقاد الفلسطينيين. الانتقاد الصادر عنهم هو طائرة اخرى بدون طيار تهاجم أزعر الحي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock