أفكار ومواقف

حربنا الخاسرة!

هي ليست حرب الجيوش والدول، لكنها قد لا تقل ضراوة عنها! هي حرب تدور رحاها في بيوتنا، ومع أولادنا وبناتنا، نتكبد فيها يوميا الخسائر، ونرتد فيها خائبين على أعقابنا، آباء وأمهات، يعجزون عن إدارة المعركة مع أطفال صغار ومراهقين، اتقنوا استخدام أسلحة “الدمار الشامل” في هذه الحرب الطاحنة!
هل بالغت؟! ربما، لكنه شعور طاغ بطعم المرارة والخسارة، تلمسه يوميا لدى أمهات وآباء، وهم يتحدثون عن انغماس الأبناء، الأطفال والمراهقين، بغربة الهواتف الذكية و”الآيباد”، وما تجود به ثورة الاتصال العارمة. إدمان الصغار، وإلى حد كبير الكبار أيضا، على الهروب والتوحد في تطبيقات الأجهزة الذكية ومتفرعاتها، ولساعات طويلة في اليوم، مشكلة باتت كالوباء، لا توفر معظم البيوت والأسر.
ليست مشكلة أو حربا أردنية بلا شك، هي مشكلة عالمية حديثة، تتوغل وتطغى مع تقدم الأيام في مختلف المجتمعات، خاصة في ظل ثورة تقنية الاتصال والمعلومات، وطغيان العالم الافتراضي، الذي تمثله مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقاته الواسعة.
لكن، أليس هذا التقدم التقني والاتصالي نعمة تحسد جيلنا عليها الأجيال السابقة؟ ألم يفتح هذا التقدم وهذه الاختراعات والتقنيات الاتصالية والذكية عالما رحبا من المعرفة والاطلاع، ومكنت الجميع من التواصل، وتقليص العالم إلى ما دون مساحة القرية؟! ألم توسع باب الحريات الإعلامية والعامة، حتى استحال على معظم الحكومات قمع ما يتدفق من معلومات وآراء ومواقف في هذا الفضاء الإلكتروني والافتراضي؟!
نعم، كل ذلك، وربما أكثر من الفوائد والإيجابيات العظيمة، التي لا ينكرها إلا جاحد أو متخلف. لكن النقمة تكمن في تفاصيل كل هذه النعم والفوائد، وتطغى عليها كما السرطان المستشري بجسد المريض.
في بيوتنا وأسرنا، باتت تفاصيل وصفات ومزايا “تويتر” و”فيسبوك” و”واتس اب” و”انستغرام” و”سناب شات”، وعشرات التطبيقات والعوالم، معروفة ومتقنة التفكيك والفهم من قبل الأطفال والمراهقين، وربما بما يفوق معرفتهم بتفاصيل وصفات وثقافة الأب والأم، فالأجهزة الذكية وشبيهاتها باتت رفيقا ثقيل الظل للأبناء والبنات، يقضون معها وبإدمانها ساعات وساعات، ليل نهار، في العطل وأيام الدوام، يبدعون في اكتشاف زواريبها وتفاصيلها، وينفتحون عبرها على عوالم غامضة ومجهولة، منوعة ومثيرة، والأهم أنها بلا رقيب أو حسيب!
تفكك نفسي واجتماعي، انفصال عن الواقع، غرق في عالم افتراضي وحالم، تراجع التواصل الإنساني والاجتماعي الحقيقي داخل الأسرة، أضرار صحية جسدية، لا ثقافة حقيقية توفرها مواقع التواصل، مقارنة بالكتاب والنقاشات الحرة بين أفراد الأسرة، أو بين الأصدقاء، ناهيك عن الجزء الغارق في الماء من جبل الجليد لهذه المشكلة، والذي يمكن تصوره بسهولة، حيث توفر هذه المنصات المفتوحة على “يوتيوب” وغيره، تشكيلة واسعة من المواد، التي لا يجب أن يتعرض لها الأطفال، تربويا ونفسيا وعقليا!
في الحرب، التي يخوضها الآباء والأمهات، مع هذه المشكلة الجوهرية، تجرب كل الأسلحة، من قمع وإرشاد ونصائح، وحرمان من هذه الأجهزة أو تقنين لاستخدامها من قبل الأبناء، لكنها حلول أزعم أنها لم تربحنا الحرب بعد، وما تزال خسارتنا فيها فادحة، فخطر هذا العدو الافتراضي والاتصالي “باق ويتمدد”، تماما كما هو سرطان “داعش” وأخواته، حتى الآن!
هل ثمة حلول وطرق لكسب الآباء والأمهات، بل والمجتمع كله، لهذه الحرب المشتعلة على مدار الساعة في بيوتنا وأسرنا؟! لا أعرف شخصيا، وقد أعجزت المحاولات آلاف الأسر والآباء والأمهات، خاصة أن تدفق هذا العدو يهدر منذ سنوات كالسيل الجارف، يهدم لكن من دون أن يبني خلفه، يتسع ويتشعب أفقيا وعموديا، من دون أن يواجهه علم أو تربية مناسبين، يتسع ويتمدد من دون أن تواجهه مسؤولية اجتماعية وأخلاقية حقيقية من قبل الشركات والمزودين بخدمات الاتصال والتواصل الافتراضي، العالمية والمحلية.
هي مجرد صرخة، بعد أن أثخنتنا جروح وشظايا هذه الحرب.. علّ الصراخ يكون أول الطريق للحل والنصر في هذه الحرب.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. حربنا الخاسرة!!؟
    المسمى من البدايه عدواني مع هزيمه..مصطلحاتنا اصبحت عدوانيه و الهزيمه اصبحت تطاردنا…هون عليك الهاتف الجوال لا يشبه الجماعان المارقه التي سميت… الخطأ ليس في التكنولوجيا ..الخطأ في عدم الثقه بين الابناء و الاهل.. عدم التواصل المباشر داخل العائله… انا عندي اولاد و في اوروبا و لديهم اجهزه لكن يستعملوها بحدودها الطبيعيه.. ان كان هناك وئام و تواصل في البيت يقل التعلق في الاجهزه الذكيه و غيرها… حوار … نصائح غير مباشرة .. مشرطة الابناء في استعمال اجهزتهم الذكيه .. مساعدتهم ان يكون اذكى في تعاملهم مع هذه الاجهزه لا ان نعادي التكنولوجيا لاننا اخفقنا في معرفة ابناءنا و عملنا حاجز بيننا و بينهم يعوصه تويتر واتساب و فيسبوط…الخ لان هناك افتراضيين و غير افتراضيين من من يغطوا لابناءنا نقص الثقهببنهم و بين الاهل.

  2. "الإنسان هوصانع التقنية والألة"
    تطور الأمم بين مثيلاتها اشبه بسباق الخيل وادواته(الفرس والفارس)وحتى لانقع من باب الإصلاح والمثل اشبه بمن خسر السباق لعدم خبرته بالفروسية وفنونها راح حط العيب في سرج الفرس؟؟اخي ماجد روافع القاعدة المعرفية وماصابها بحاجة الى ترميم"حالنا نجهل "انا والغير "ومايدور حولنا" ومازاد الطين بلّة الوافد الينا دون استئذان اوتمحيص اوفلترة بدء من الكلمة انتهاء ب الإحتلال والأنكى المملى علينا من قوانين ومنظمات تحت مسميات مزركشه" ظاهرها دسم وباطنها سم زعاف" غير متوائمة على مانحن عليه من قيم وثقافة وعادات وعقيدة(صراع المعايير) مما وضع الكل الأسري والمجتمعي بكل مفرداتها على قاعدة رملية سائبة لاندري اين نتجه وكيف نسير وهذا مولّد العنف والصدام مع شرائح المجتمع بغالبية فئاتها واعمارها ووظائفها؟؟ من هنا لابد من العلاج الشامل من خلال استراتجية متزامنة لترميم تلك الروافع ولسهولة الإستدلال وسرعة الإداء لنا في تاريخنا القريب تجربة"حيث كنا خير امة اخرجت للناس" عندما توحدنا متلحفين بتشريع ديننا السمح وغزونا العالم شرقه وغربه بحضارتنا وعلومنا وتجارتنا التي جل الجيد العائد الينا من عالم اليوم ماهو الإنتاج علومنا وأثر حضارتنا عندما اجادوا استعمالها ناهيك ان تجارتنا مايميزها انها تسأل التاجر عن اثر تجارته على الغير قبل اثرها على جيبه؟ بعكس تجارة المصالح التي تردنا؟؟؟

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock