ترجمات

حرب أميركا الأبدية الأخرى.. الولايات المتحدة لا تقصف أعداءها فقط.. إنها تخنقهم

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بيتر بينارت* – (نيويورك تايمز) 15/2/2021
لماذا يصعب التراجع عن السياسات التي ثبت أنها غير فعالة ولا أخلاقية؟ لأن التخلي عنها يتطلب الاعتراف بالحقائق الصعبة: لن تتخلى كوريا الشمالية بسبب الحصار عن أسلحتها النووية. وستبقى إيران قوة إقليمية. ولن يذهب السيد الأسد والسيد مادورو والحكومة الشيوعية في هافانا إلى أي مكان. ويفضل قادة أميركا معاقبة الشعوب التي تعاني من الوحشية مسبقاً بدلاً من التنازل عن حدود القوة الأميركية.
* * *
في العام الماضي، تعهد جو بايدن: “لقد حان الوقت لإنهاء الحروب التي لا تتوقف”. وهو محقّ في ما ذهب إليه. لكن تعريفه للحرب كان ضيقاً للغاية.
على مدى عقود، استكملت الولايات المتحدة ضرباتها الصاروخية وغارات قواتها للعمليات الخاصة بأداة أقل وضوحًا من الإكراه والموت المباشرَين. إنها تحاصر الأعداء الأضعف، وتخنق تجارتهم وتبادلاتهم مع العالم الخارجي. وهذا هو المعادل الحديث للمارسة القديمة المتمثلة في الإحاطة بمدينة ومحاولة تجويعها حتى الخضوع. ويسمي المحتمسون هذا السلاح “العقوبات الثانوية”. لكن المصطلح الأكثر دقة لوصفه سيكون “الحصار”.
ضربت أميركا أول حصاراتها لما بعد الحرب الباردة في العام 1990، بعد غزو صدام حسين للكويت. وعلى مدى الأعوام الثلاثة عشر التالية، كان العراق -الذي كان يستورد قبل الحرب ما يقرب من 70 في المائة من طعامه وأدويته- يحتاج إلى موافقة من الأمم المتحدة حتى يستورد أي شيء بشكل قانوني. وبدعوى أن كل شيء، من صهاريج المياه إلى معدات طب الأسنان إلى المضادات الحيوية، قد يكون له استخدام عسكري، استخدمت واشنطن نفوذها في الأمم المتحدة لكي تقيِّد بطريقة متطرفة كل ما يمكن أن يشتريه العراق. ولاحظت الأستاذة في جامعة لويولا، جوي غوردون، في كتابها، “الحرب الخفية”، أن العراق استورد في الفترة بين العامين 1996 و2003 بطريقة قانونية ما تعادل قيمته 204 دولارات للفرد من البضائع سنويًا فحسب -أي ما يعادل نصف دخل الفرد في هاييتي. وبعد استقالته احتجاجًا على العقوبات في العام 1998، حذر منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في العراق، دينيس هاليداي، من نتائج تلك السياسات بقوله: “إننا في طريقنا إلى تدمير مجتمع بأكمله”.
وقد أنهت الأمم المتحدة حصارها للعراق عندما غزت الولايات المتحدة البلد في العام 2003. ومنذ ذلك الحين، زعمت واشنطن في كثير من الأحيان أنها تطبق عقوبات “مستهدفة”، والتي تقيد مبيعات الأسلحة للبلد المعنيّ، أو تعاقب مسؤولين معينين أو شركات معينة فقط، وليس شعوباً بأكملها. وفي بعض الحالات، تكون العقوبات مستهدفة بالفعل. ولكن في حالة بعض الأعداء المختارين -مثل إيران، وفنزويلا، وكوريا الشمالية، وكوبا وسورية- بدأت الولايات المتحدة -أو شدّدت- حصارات تسهم في صناعة النوع نفسه من البؤس الذي اختبره العراق.
وتتنوع مبررات هذه الحصارات: الانتشار النووي، الإرهاب، أو ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان. لكن الطريقة، مع ذلك، تبقى متماثلة: فرض “عقوبات ثانوية”. ولا يقتصر الأمر فقط على قيام الولايات المتحدة بإدراج الأفراد أو الشركات أو المؤسسات الحكومية في القائمة السوداء، أو حتى قطاعات كاملة من اقتصاد العدو، والتي يمكن أن تكون مدمِّرة بما يكفي. إنها تطلب من البنوك والشركات الأجنبية أن تحذو حذوها -وإلا سيتم منعها من التعامل مع الولايات المتحدة.
ويمكن أن تكون عقوبات انتهاك العقوبات الأميركية الثانوية قاسية إلى حد مذهل أيضاً. على سبيل المثال، بعد اتهام البنك الفرنسي “بي. ن. بي. باريباس” بخرق قوانين العقوبات الأميركية، أجبر المدعون العامون البنك في العام 2014 على دفع ما يقرب من 9 مليارات دولار كغرامات.
من الناحية النظرية، تتضمن هذه العقوبات -مثلما حدث مع الحظر الذي فُرض على العراق في التسعينيات- منح إعفاءات للسلع الإنسانية. ولكن من الناحية العملية، كما أوضحت منظمة “هيومن رايتس ووتش” بالتفصيل، فإن هذه الاستثناءات غالبًا ما تكون غامضة ومرهقة. ولتجنب مخالفة القانون الأميركي، تتوقف العديد من البنوك والشركات الأجنبية تمامًا عن التعامل مع الدول المحاصرة.
في العام 2018، ذكرت صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” أن أحد أكبر المستشفيات العامة في سورية كان يكافح لشراء قطع غيار لأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي وأجهزة التصوير المقطعي، والسبب، كما خلص تقرير للأمم المتحدة، هو أن “الشركات الخاصة غير مستعدة لتخطي العقبات اللازمة لضمان قدرتها على التعامل مع سورية من دون اتهامها بانتهاك العقوبات الأميركية وغيرها عن غير قصد”. وفي الربيع الماضي، مع خروج فيروس كورونا عن نطاق السيطرة في إيران، حذر السيناتور كريس مورفي، من ولاية كونيتيكت، من أن العقوبات “تجعل من الصعب للغاية، إن لم يكن من المستحيل، وصول الإمدادات الطبية” إلى ذلك البلد أيضًا. وفي العام 2019، اشتكت جمعية خيرية مقرها كاليفورنيا من عدم قدرتها على إرسال الكراسي المتحركة أو العكازات أو العصي إلى كوريا الشمالية.
مرة بعد مرة شجبت مجموعات حقوق الإنسان، مثل منظمة العفو الدولية، والمنظمات الإنسانية مثل الـ”يونيسف” هذه الحصارات الأميركية. وفي العام 2019، أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة على كوبا بأغلبية 187 صوتًا مقابل 3 أصوات. ومع ذلك، لا تثير هذه الحصارات سبباً للشعور بالعار في واشنطن بقدر ما تكون سبباً لتهنئة الذات باعتبار أنها تؤشر على وقوف أميركا في وجه الحكومات القمعية.
المشكلة في هذا المنطق الأخلاقي هي أن ضرب حصار على نظام قمعي عادة ما لا يضر بالظالم وإنما بالمظلوم. وفي دراسة أجريت في العام 2019، وجد الاقتصاديان، أنتونيس آدم وصوفيا تسارسيتاليدو، أنه عندما تفرض الولايات المتحدة عقوبات على حكومة استبدادية، فإن أوضاع الحريات المدنية في بلدها تزداد سوءًا. ووجد مقال نُشر في العام 2020 في “مجلة دراسات التنمية” أن العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة والأمم المتحدة تؤدي إلى انخفاض متوسط العمر المتوقع. كما أوضح عالما السياسة دورسُن بيكسون وكوبر دروري، أن الديكتاتوريين يستجيبون للحظر من خلال تكديس الموارد الشحيحة لديهم، واستخدامها لمكافأة أصدقائهم وتجويع خصومهم، وبالتالي تعزيز سلطتهم. وقالت امرأة فنزويلية لم يتمكن طفلها من الحصول على علاج للصرع للصحيفة الألمانية “دويتشه فيله” في العام 2019: “إنهم يعتقدون أنهم يؤذون الرئيس مادورو، لكنهم يؤذون الناس في الحقيقة”.
ربما تكون الحصارات الأميركية أكثر قابلية للدفاع عنها -أو أقصر أمداً على الأقل- لو أن لها فرصة معقولة للنجاح. صحيح أن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والأمم المتحدة على إيران أثناء رئاسة باراك أوباما أضرت بالإيرانيين العاديين، لكن القصد منها كان إقناع الحكومة الإيرانية بالتنازل عن برنامجها النووي، وليس الاستسلام التام أو التخلي عن السلطة. ويمكن قول أنها ساعدت على تحقيق هذا الهدف المتواضع نسبيًا.
على النقيض من ذلك، لا يرتبط أي من الحصارات الأميركية الحالية بأهداف واقعية، حتى من بعيد. فعلى الرغم من الجهود الأميركية للإطاحة بهما، ما يزال السيد مادورو في فنزيلا والرئيس السوري بشار الأسد يقبضان على السلطة اليوم بقوة أكبر مما كان عليه الحال عندما فرضت الولايات المتحدة أشد عقوباتها على بدليهما. وبعد أكثر من عقد من العقوبات المتصاعدة التي تهدف إلى الضغط على كوريا الشمالية للتخلي عن أسلحتها النووية، تمتلك تلك الدولة الآن ما يصل إلى 60 من هذه الأسلحة. وأصبحت إيران أقرب إلى “القنبلة” مما كانت عليه عندما بدأت حملة “الضغط الأقصى” التي شنتها إدارة ترامب، وما تزال تتمتع بالنفوذ نفسه الذي كان لها في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
على الرغم من ذلك، تحتفظ حرب أميركا الأخرى المستمرة إلى الأبد بدعم كبير من الحزبين. وهذا صحيح بشكل خاص في الكونغرس، حيث يرى السياسيون الذين فقدوا شهيتهم لنشر القوات في الحصارات طريقة بلا تكلفة على ما يبدو للإشارة إلى معارضتهم للحكومات القمعية والعدائية -ولا يهتمون بما إذا كانت التكاليف الحقيقية يتحملها الناس العاديون الذين يعانون، والذين يزعم هؤلاء الساسة أنهم يدعمونهم.
يُحسب لإدارة بايدن أنها تقوم بمراجعة ما إذا كانت العقوبات “تعرقل بشكل غير ملائم الاستجابة لوباء كوفيد -19”. لكن المعاناة التي سببها الحصار الأميركي لم تبدأ عندما ضرب الفيروس، ولن تنتهي عندما يمر.
يريد السيد بايدن العودة مرة أخرى إلى الاتفاق النووي الإيراني، وهو ما يجب أن يجلب معه رفعاً للعقوبات النووية عن طهران. ومع ذلك، وعد وزير الخارجية، أنطوني بلينكين، بأن العقوبات الأميركية غير النووية العديدة سوف تبقى، ووصف قانون 2019 الذي يهدد الشركات الأجنبية التي تعمل في سورية بعقوبات ثانوية بأنه “أداة مهمة للغاية”. واقترح أن الولايات المتحدة يجب أن تستهدف فنزويلا بعقوبات “أكثر فعالية”، لكنه أشار، مع ذلك، إلى أن حصار أميركا لكوريا الشمالية -الذي أجبر العديد من المؤسسات الخيرية الدولية على مغادرة البلاد- ليس صارمًا بما يكفي.
لماذا يصعب التراجع عن السياسات التي ثبت أنها غير فعالة ولا أخلاقية؟ لأن التخلي عنها يتطلب الاعتراف بالحقائق الصعبة: لن تتخلى كوريا الشمالية عن أسلحتها النووية. وستبقى إيران قوة إقليمية. ولن يذهب السيد الأسد والسيد مادورو والحكومة الشيوعية في هافانا إلى أي مكان. ويفضل قادة أميركا معاقبة الشعوب التي تعاني من الوحشية مسبقاً بدلاً من التنازل عن حدود القوة الأميركية.
لكن الحقيقة هي أن القادة الأميركيين يستنزفون أميركا من خلال خداع أنفسهم حول مدى قوتها الحقيقية. إن المصدر الرئيسي لقوة أميركا هو الدولار، الذي يعمل كعملة احتياطية لمعظم العالم. ولأن العديد من البنوك والشركات الأجنبية تجري معاملاتها الدولية بالدولار، فإن العقوبات الأميركية الثانوية تخيفها كثيرًا. ولكن، كلما استخدمت واشنطن الدولار أكثر للتنمر على غير الأميركيين وإجبارهم على المشاركة في حصاراتنا، زاد لديهم الحافز لإيجاد بديل للدولار. وتتسارع جهود البحث عن بديل للدولار مسبقاً. وكلما قل عدد الدولارات التي يريدها غير الأميركيين، وجد الأميركيون صعوبة في الاستمرار في العيش بما يتجاوز إمكانياتهم.
من الناحية المثالية، سوف تتوقف أميركا عن محاصرة الدول الأضعف لأن ذلك يؤلم هذه الدول ويؤذيها. ولكن، لسوء الحظ، من غير المرجح أن تتوقف عن ذلك حتى تؤذينا نحن.

*Peter Beinart: أستاذ الصحافة والعلوم السياسية في مدرسة نيومارك للصحافة بجامعة مدينة نيويورك. وهو أيضًا محرر متجول في التيارات اليهودية ويكتب The Beinart Notebook، وهي نشرة إخبارية أسبوعية. وهو كاتب رأي مسهم في “نيويورك تايمز” يركز على السياسة الخارجية والسياسة الأميركية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: America’s Other Forever War

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock