ترجمات

حرب أوكرانيا تدفع العرب إلى إنتاج خبزهم بأنفسهم

جينيفر هوليس* – (دويتشه فيله) 3/5/2022
تقوم بعض الدول العربية بتعزيز استقلالها الغذائي لمواجهة نقص متوقع في إمدادات القمح. ولكن، على الرغم من المبادرات المشجعة، هل هناك تحديات تجعل من تحقيق مثل هذه “السيادة الغذائية” مستحيلاً؟
* * *
في أعقاب اندلاع الحرب في أوكرانيا والنقص المتوقع في واردات القمح لهذا العام، 2022، وضعت معظم حكومات الشرق الأوسط مسألة “الاستقلال الغذائي” على رأس جداول أعمالها.
وحسب قول نيل كويليام، الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مركز أبحاث “تشاتام هاوس” في لندن لصحيفة “دويتشه فيله”، فقد “تضاعفت الجهود في الشرق الأوسط في أعقاب الوباء العالمي والأزمة الروسية الأوكرانية”. ومن الأمثلة على ذلك لبنان، الذي يغطي إنتاجه من القمح 50 ألف هكتار، في حين أن هناك حاجة إلى زراعة 180 ألف هكتار لتوفير ما يكفي لسكان يبلغ عددهم 6.5 مليون نسمة.
خطط بديلة
يقول عبد الله نصر الدين، المتحدث باسم وزارة الزراعة في لبنان، إنه “على مدى عقود، كان لبنان مستورداً للقمح على نطاق واسع لأن تكلفة استيراده أقل من تكلفة زراعته، ولكن بسبب الأزمة، فإننا مضطرون إلى إيجاد خطط بديلة”، بحسب ما صرح لـ”دويتشه فيله”. وأضاف: “وزارة الزراعة قامت بالفعل بتكليف منظمات دولية غير حكومية باختبار الأماكن التي تكون فيها التربة خصبة بدرجة كافية وتصلح لزراعة القمح، لكننا نحتاج إلى تمويل لهذا الغرض”.
لكن التغييرات الاقتصادية والهيكلية مطلوبة قبل أن تأتي المزيد من المساعدات المالية من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي. وتبدو مثل هذه التغييرات بعيدة المنال لأن البلاد على وشك الانهيار سياسياً واقتصادياً، إذ فقدت الليرة اللبنانية حوالي 90 في المائة من قيمتها مقابل الدولار الأميركي في السنوات الثلاث الماضية، مما جعل أسعار الواردات الغذائية باهظة الثمن إلى حد كبير بالنسبة للمواطنين، فيما يعد ذلك أمراً جيداً بالنسبة للأغذية المزروعة محلياً.
يقول مايكل باور من مؤسسة “كونراد أديناور” الألمانية في بيروت: “أصبحت المنتجات المحلية أكثر تنافسية وجاذبية”، ويضيف أنه لاحظ زيادة في الاكتفاء الذاتي وتزايد مشاريع الشركات الناشئة في هذا المجال، وقال “إن قطاع التكنولوجيا الزراعية ينمو في البلاد”، بحسب ما صرح لهذه الصحيفة.
ومن الأمثلة على ذلك مشروع الزراعة العمودية الذي أطلقه المهندس البيئي زياد أبي شاكر، الذي يتم فيه تحويل الأسطح المستوية في المنازل ببيروت إلى حدائق نباتية يتم فيها إنشاء مزارع البستنة العمودية. وقال أبي شاكر لـ”دويتشه فيله”: “لقد أصبح الطعام مكلفًا للغاية، لذلك أصبح الناس يزرعون خضراواتهم بشكل متزايد. كانت مشاريع الزراعة العمودية لدينا تنتعش بالفعل في العام الماضي، ولكنها انتعشت بشكل أكبر منذ بدء الحرب”.
وقد أنشأ أبي شاكر خمس مزارع في العام 2021، ويخطط لإنشاء سبع مزارع أخرى هذا العام.
وهناك مثال آخر هو الجمعية التعاونية لمنتجي البذور المتوارثة، “بذورنا، جذورنا”، التي توسعت بشكل كبير منذ انطلاقها في شرق بيروت في العام 2016. وقال أحد المزارعين لـ”دويتشه فيله” إنه “في العام 2021، كان الطلب على إنتاج الجمعية ساحقًا”.
يسعد المزارعون بوجود من يساعدهم في منع اختفاء الأنواع النادرة من البذور، فضلاً عن وجود فرصة لشراء البذور بأسعار معقولة للقمح أو الشعير أو الخضار. ومع ذلك، حتى الآن تبقى هذه المشاريع الناجحة هي الاستثناء. وهناك العديد من المشاكل الهيكلية في لبنان مما يجعل موضوع الاستقلال الغذائي غير مرجح في المستقبل القريب. وعلاوة على ذلك، ليس البلد ناجياً من تأثيرات تغير المناخ أيضاً. وقال كويليام من مركز أبحاث تشاتام هاوس: “ما تزال هناك تحديات رئيسية مثل الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وندرة المياه في جميع أنحاء المنطقة”.
بذور أفضل والمزيد
من الأراضي الزراعية
تواجه مصر، الدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في الشرق الأوسط بعدد سكان يبلغ 102 مليون نسمة، مشاكل أيضاً في إمدادات القمح في ضوء الحرب في أوكرانيا. ومن المتوقع أن يستهلك السكان حوالي 20 مليون طن من القمح هذا العام 2022. وتنتج البلاد حالياً 10 ملايين طن سنوياً، وتستورد ما تبقى من احتياجاتها.
يأتي نحو 80 في المائة من إمدادات مصر الخارجية من القمح من أوكرانيا وروسيا. وبعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، وضعت الحكومة المصرية خطة من ثلاث خطوات لتعزيز الإنتاج المحلي.
وقال علاء الدين حموية، خبير التكنولوجيا الحيوية في المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA): “هذا العام، خصصت الحكومة المصرية 250 ألف فدان كأرض جديدة لزراعة القمح، وتهدف إلى زيادتها في العام المقبل لتصل إلى 500 ألف فدان”. وأضاف في تصريحات لـ”دويتشه فيله” أن ذلك يأتي إضافة إلى 1.5 مليون فدان طورتها الحكومة في السنوات القليلة الماضية.
إضافة إلى وادي الدلتا الخصب، يُزرع القمح الآن أيضاً في المنطقة الصحراوية بصعيد مصر، على الرغم من أن التربة الجافة هناك تحتاج إلى المزيد من الأسمدة. كما تعمل الحكومة المصرية أيضاً على تعزيز الإنتاج المحلي من خلال تزويد المزارعين بالبذور المعتمدة التي تنتج غلالاً بمعدلات أعلى. وقالت الحكومة إنها ستشتري أكثر من ستة ملايين طن من القمح من المزارعين المحليين بسعر ثابت، وذلك لتأمين برنامج الغذاء الذي يعد الذي تمس الحاجة إليه أكثر ما يكون في البلاد. وتدير الحكومة المصرية برنامجاً لدعم المواد الغذائية لنحو 70 في المائة من السكان -وخاصة الخبز، وهو غذاء أساسي يُستهلك عادةً مع كل وجبة. وتضع الحكومة في اعتبارها خططاً أخرى، مثل خلط القمح بالشعير في المستقبل. وقال مايكل باوم، نائب مدير البحوث في المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة لـ”دويتشه فيله”: “يمكن أن ينمو الشعير في مناطق جافة ذات نسبة ملوحة عالية، لكن هذا ليس هو الحال بالنسبة للقمح”.
كما سيتم استخدام الابتكار لتعزيز الزراعة. وقال الدكتور علاء الدين لـ”دويتشه فيله”: “سوف تتم زراعة المزيد والمزيد من القمح على أحواض مرتفعة… يمكن أن توفر هذه الطريقة 25 في المائة من مياه الري، وتتطلب بذوراً أقل بنسبة 15 في المائة، وتزيد من إنتاجية المحاصيل بنسبة تصل إلى 30 في المائة”، وتوقع الدكتور علاء الدين أن الاكتفاء الذاتي من القمح في مصر “قد لا يحدث أبدًا”، لكنه قال إن زيادة الإنتاج المحلي من القمح إلى 70 في المائة سيعتبر نجاحًا، وسوف توازن زيادة بنسبة 20 في المائة الطلب المتزايد الناتج عن نمو سكاني بنسبة 2.5 في المائة.
عودة إلى الأصل
في الوقت الذي حذر فيه البنك الدولي -وهو أحد المزودين الرئيسيين للمساعدات المالية في المنطقة- من أن انعدام الأمن الغذائي يمثل تحدياً متزايداً سيبقى لسنوات، فإنه يرى أيضاً بعض الحلول المحتملة.
كتب فريد بلحاج، نائب الرئيس لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالبنك الدولي، في مقال نشر في أيلول (سبتمبر) الماضي 2021: “يمكن أن تكون الزراعة والغذاء المنتجان محلياً محركات للنمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل للداخلين إلى سوق العمل”.
وأضاف أنه يمكن لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا “استعادة ريادتها القديمة في الابتكار الزراعي من خلال الاستثمار في الممارسات والتقنيات المتطورة التي تستجيب لتغير المناخ، مثل الزراعة المائية والزراعة المحافظة على الموارد والاستخدام الآمن للمياه المعالجة”.
وينظر إلى شركة التكنولوجيا الزراعية “بيور هارفست” ومقرها أبوظبي كلاعب رئيسي في هذا الإطار، حيث تزرع الشركة المنتجات باستخدام الزراعة المائية التي تسمح للمحاصيل بالنمو على محاليل المغذيات المعدنية بدلاً من التربة. ويُنظر إلى هذه التقنية على نطاق واسع على أنها حل مبتكر للتصحر الذي يشكل تحدياً آخر في الشرق الأوسط حتى الآن.
كما وصلت الشركة إلى المرتبة الأولى في مجال آخر مسبقاً: في العام 2020، استثمرت شركة الوفرة للاستثمار الدولي الكويتية 100 مليون دولار في الشركة الناشئة، مما يجعلها أكبر مساهم على الإطلاق في شركة تكنولوجيا زراعية في الشرق الأوسط.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock