أفكار ومواقف

حرب الأفكار

تمتد المواجهة مع التطرف والكراهية والعنف إلى الثقافة والتعليم والسلوك الاجتماعي والعلاقات والتشريعات المنظمة للحياة اليومية، وليست -لسوء الحظ- عمليات مواجهة مباشرة وواضحة مع جماعات محددة. وفي ذلك؛ فإنّ المواجهة، في الحقيقة، هي عمليات يومية معقدة وشاملة لتكريس التسامح والعيش معاً، ومراجعة كل ما يعكس أو يشجع الكراهية في الإعلام والمناهج التعليمية، وأنظمة العمل واللغة، والأدب، والفنون، والغناء، والموسيقا، والعلاقات الاجتماعية، والدراما، والمسرح، والثقافة الشعبية، والنكات، والمصطلحات، والمفاهيم، والقوانين، والتشريعات، وأسلوب الحياة، كما أنّها مواجهة شاملة مع الشعور بالتميز والاستعلاء، ورفض الاختلاف والتعددية والتنوع، وإطلاق مضمون لحريات الأفكار والمعتقدات وأسلوب الحياة، وفرص واسعة للتعبير عن الآراء والمعتقدات والتنوع والاختلاف.
ويعد عدم فرض أنماط من السلوك أو منعها إذا لم تكن تمثل اعتداء على القانون أو على أحد من الناس، أحد الأساليب المتبعة في تأكيد التنوع واحترامه وفي تجنب التشابه والتنميط الاجتماعي والثقافي باعتباره في واقع الحال تطرفا او شعورا بالتميز يشبه التطرف، فإذا لم يكن أفراد أو جماعات غير قادرين على عيش حياتهم وأفكارهم كما يرونها برغم أن ذلك ليس مخالفا للقانون؛ فإن التطرف الاجتماعي يكون أقوى من القانون.
لا يمكن أن يكون لما تفعله الحكومات والمجتمعات من جدوى أو معنى في تكريس التسامح والعيش معا إذا كان يصاحب التشريعات والدعوات والحملات الإعلامية والإرشادية في الدعوة إلى الاعتدال وتقبل التنوع تجاهل رسمي ومجتمعي للعنف الكامن والراسخ والمنتشر على نطاق واسع في الثقافة والحياة اليومية والمناهج التعليمية، وتقبل للكراهية والتمييز تجاه الآخر من الأديان والمذاهب والفئات الاجتماعية والسكانية وغيرها، سواء داخل الدولة والمجتمعات، بمعنى تجاه فئة من المواطنين، أو خارجها؛ لأنه، ببساطة، لا يمكن فهم العنف المادي تجاه فئة أخرى إلا بالعنف الرمزي المؤسس له، فما من عنف مادي إلا ويؤسسه عنف رمزي.
يغلب على المتطرفين أنّهم أسوياء (غير مجانين)، ولا يفيد كثيراً في فهم الإرهاب تحليل شخصياتهم، وملاحظة النزوع إلى الانتحار أو الاكتئاب أو الكراهية أو النرجسية، رغم أنّها نزعات ساهمت بالفعل في تكوين شخصياتهم وقراراتهم؛ كما لم تكن مفيدة ملاحظة الاتجاهات الأيديولوجية والسياسية لمرتكبي الجرائم ورصدها؛ فقد كنّا على الدوام نُفاجَأ بأشخاص غير متوقعين يرتكبون جرائم كراهية فظيعة أو يلتحقون بالجماعات الإرهابية، ولم تُعرف أو تُكتشف اتجاهات ومواقف أيديولوجية متطرفة لكثير من مرتكبي الجرائم.
وهذه الملاحظة ليست للتقليل من أثر المعتقدات الدينية والأيديولوجية ودورها في ارتكاب الجرائم، لكن لملاحظة أنّ تحليل النزعات النفسية والأيديولوجية لم يكن مفيداً، أو كافياً على الأقل، لمواجهة التطرف والكراهية، كما لم تكن كافية مواجهتهما بالتدابير الأمنية، أو لنقل بعبارة توفيقية: إنّ هذه الأعمال العنيفة المشحونة بالكراهية وما يصحبها أو يغطيها من معتقدات وأفكار ومشاعر متطرفة، كانت تؤسس لها على الدوام منظومة واسعة متراكمة من الاشمئزاز من الآخر ورفضه، الآخر بما هو ثقافة أو دولة أو إثنية أو طبقة أو مجتمع أو ديانة أو فئة من الناس (الأجانب والمهاجرين واللاجئين على سبيل المثال).
ولا ننسى دور الإعجاب غير العقلاني والتقديس للذات بما هي التاريخ والحضارة والبلد والثقافة، والنظر إلى كل ما يتعلق بالهوية على أنه صواب ومقدس لا يُسمح أبداً بالمساس به، ثم تعزز هذه الهوية بما هي ابتداء أُنشئت إنشاء لحماية الذات بمعتقدات وأفكار دينية، وتتحول إلى طقوس ورموز، تختزل كلّ غرائز البقاء والدفاع عن الذات، وتصور الآخر على أنه تهديد وخطر، .. وماذا يمكن أن تفيد في حالة الامتلاء بالشعور بالتهديد والخطر والكراهية تجاه الآخر محاولات المؤسسات الدينية والإعلامية والتعليمية للردّ على المتطرفين؟

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock