ترجمات

حرب الدعاية.. دحض رسالة “داعش” الوحشية صعب بطريقة مدهشة

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 15/8/2015

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

القاهرة – رجل ملثم يقف خلف ضحية راكع، مستعداً لقطع حنجرته، أو لوضع رصاصة في رأسه، أو لفصل رأسه عن جسده بالسيف. لم يكن تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” هو الذي اخترع هذا الشكل الدموي من الصنعة المسرحية، لكنه أصبح الآن مالكه الأوحد في حقيقة الأمر. لقد أصبح القتل المتلفز (الذي يكون جماعياً في كثير من الأحيان) هو العلامة التجارية الرئيسية لنسخة المجموعة المخصوصة من الجهاد. وكان آخر ظهور لها في 12 آب (أغسطس)، عندما وزعت المجموعة الصور المروعة التي تعرض جثة رهينة كرواتي مقطوعة الرأس في مصر، كما زُعم. وتوزيع مثل هذه الصور مروع؛ بل كونها أصبحت مألوفة للمشاهدين، هو شيء أكثر فظاعة وترويعاً.
النجاح الذي أحرزه “داعش” في كسب أتباع بمثل هذه الرسائل يحير أعداءه، وهم كثر. والواقع أنه ليس لديه أصدقاء على الإطلاق؛ وربما تكون كراهية كل شيء يتصل بـ”داعش” هي الشيء الوحيد الذي يوحد الشيعة والسنة؛ السعودية وإيران؛ وأميركا وروسيا؛ وتركيا ونظام الأسد في سورية. وفي داخل هذا التحالف المتنافر، ثمة اعتقاد متزايد بأن معركة الأفكار والصور قد تكون مهمة بنفس أهمية الحرب على الأرض. فبعد كل شيء، نجحت الحكومات مراراً في القضاء على الجماعات الإرهابية، فقط لتجد جماعات جديدة، غالباً ما تكون مشابهة -وإنما أكثر سوءاً، وهي تظهر لتحل محلها.
لذلك اتخذ كل بلد ذي أغلبية مسلمة تقريباً شكلاً من أشكال التدابير المضادة لأيديولوجيا تنظيم “داعش”، بدءاً من الضغط على السلطات الدينية التقليدية، ذهاباً إلى عزل المجموعة، وإلى تشجيع الرسوم الكاريكاتورية التي تسخر منها. وقد انضم عدد متزايد من الدول الغربية، بما في ذلك بريطانيا وأميركا، إلى هذه الحرب الدعائية، أيضاً. بعض الدول استأجرت بعض الكتبة الرقميين ليعملوا على تقويض رسالة “داعش” على الإنترنت -على سبيل المثال من خلال تسليط الضوء على جرائمها الوحشية ضد إخوتها المسلمين. وضغطت دول أخرى على شركات الإنترنت لكي تراقب محتواها، وإغلاق الحسابات المرتبطة بـ”داعش” حيثما كان ذلك ممكناً. وعلى الرغم من حذرهم من مغبة الخوض في معارك حول العقيدة، يفضل بعض المسؤولين الغربيين علناً تشجيع الإسلام “المعتدل”.
من الطبيعي أن يكون قياس الأفكار المتصارعة أصعب من تقييم الحرب الحركية، ومن الممكن أن تكون مثل هذه المبادرات قد هزت القبول الذي يلاقيه “داعش” لدى الجمهور. ومع ذلك، من الواضح أيضاً أن المجموعة ما تزال تشكل مصدر إلهام للكثيرين. فمنذ أيلول (سبتمبر)، نفذ التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ويحارب المجموعة أكثر من 6.000 غارة جوية، وقتل، وفقاً لمصادر استخباراتية أميركية، ما يصل إلى 15.000 من مقاتليها. ومع ذلك، ارتفعت تقديرات قوة الجماعة في الفترة نفسها من نحو 20.000 إلى 30.000 جندي، لتصل إلى نحو 70.000 مقاتل، بما في ذلك 15.000-20.000 من المقاتلين الأجانب.
على الرغم من بعض التراجعات في الأراضي، ما تزال مجموعة “داعش” تهيمن على منطقة في حجم بريطانيا. وقد ولدت فروعاً مزدهرة بوحشية في نصف دزينة من البلدان الأخرى، من أفغانستان إلى مصر ونيجيريا وتونس واليمن. كما أن حجمها، والأهم من ذلك، براعتها في التجنيد، أصبحت تقزم الآن ما كان لدى تنظيم القاعدة، وهي مجموعة لها 20 سنة من الخبرة أكثر من “داعش” في الأعمال الإرهابية. كما أن نمط الخلافة المعلنة ذاتياً، سواء في اللباس أو الكلام أو القسوة، أصبح هو ما يتطلع إليه الجهاديون الراغبون في كل مكان الآن.
قد يكون أحد الأسباب أنه  منذ إعلانها إقامة خلافة في العراق وسورية العام الماضي، تفوقت مجموعة “داعش” على كل سابقاتها من المجموعات الإرهابية بجودة دعايتها. وتسبق منتجاتها من أفلام الفيديو نتاجات المجموعات الأخرى “جيلاً إلى الأمام”، كما يرجح كوري داوبر ومارك روبنسون، خبيرا الإعلام في جامعة ولاية كارولينا الشمالية. وفي دراسة حديثة، يفصل الخبيران مجموعة من التقنيات المتطورة التي تستخدمها المجموعة لزيادة قوة منتجاتها البصرية، من العناية باختيار الألوان المتناقضة بشكل صارخ –فكروا في الأزياء السوداء والحلل البرتقالية- إلى استخدام كاميرات متعددة، والتركيز الضيق، والزوايا “الذاتية”، والأصوات الحميمة المصاحبة لخلق تأثير شاهد العيان عند المشاهدين.
وبالإضافة إلى الامتياز والتفوق في مهارات الإنتاج، نجحت المجموعة في الوصول إلى الجماهير. ويعتقد ألبرتو فرنانديز، الذي كان يدير وحدة اتصالات مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية قبل أن ينضم مؤخراً إلى معهد بحوث إعلام الشرق الأوسط، أن المتعاطفين مع “داعش” يملكون أكثر من 50.000 حساب على “تويتر”. وتنتشر العديد من هذه الحسابات عبر منطقة الشرق الأوسط. وهذا يعني إمكانية تضخيم كل رسالة تبثها المجموعة بسرعة. ورصدت دراسة عن ناتج “داعش” الدعائي في أسبوع واحد، والتي أجراها أهارون زيلين من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، صدور 123 نشرة إعلامية في ست لغات، 24 منها أشرطة فيديو. وتم إعداد الصور الوحشية بحيث تثير الصدمة وتجذب انتباه وسائل الإعلام الرئيسية.
مع ذلك، ربما لا يكون العنف هو أكثر رسائل مجموعة “داعش” البصرية قوة. وفي تحليل مفصل لدعايتها، يشخص شارلي وينتر، من مؤسسة كويليام، هذه المسألة، فيشير إلى طائفة من الثيمات الأخرى التي تضم فكرة الرحمة، ودور الضحية، والانتماء، والطوباوية، بالإضافة إلى الحرب والقتل. وبدلاً من تقطيع الرؤوس، تحلم المجموعة بالأخوة السنية وإعادة بعث مجد المسلمين الذي يلهم الناس، كما يقول السيد وينتر.
في حين كان سرد الجهاديين السابقين كله عن “مقاومة” أعداء متخيلين، فإن “داعش” ينادي بما وصفه السيد وينتر بأنه “دعاية المنتصر”. وبالبناء على مواطن الشكوى البالية للإسلام السياسي، فإن المجموعة لا تتحدث فقط عن إقامة خلافة، وإنما تقوم بإقامتها فعلياً (بشكل ما). إنها لا تتحدث كلامياً فقط عن إزالة الحدود الاستعمارية، وإنما تقوم بتجريفها مادياً. وهي لا تقوم بمجرد التطلع إلى إعادة إنتاج “الشريعة الكاملة”، وإنما تفرض النسخة غير المعدلة والأكثر قسوة من القانون الإسلامي، والتي لم يشاهَد لها مثيل على مدى قرون، إن لم يكن على الإطلاق.
في بحث السيد زيلين في إنتاج أسبوع واحد من الدعاية الداعشية، لم تكن أكثر من ثلث رسائل “داعش” تتحدث عن الحرب. وبدلاً من ذلك، كانت هذه الرسائل تشيد بالخلافة وفضائلها الإسلامية، وتعرض افتتاح المستشفيات، وأولاد المدارس المبتسمين، والمواطنين وهم يعلنون بحماس ولاءهم للخليفة. ويقترح تشارلز ليستر، الباحث في بروكينغز، أن مثل هذه الصور الإيجابية تفسر بقاء “داعش” في السلطة. ويقول: “في كل من سورية والعراق، يعرض داعش نفسه على أنه جيش وعلى أنه دولة بديلة أيضاً، والتي تدافع عن الناس وتحل محل الأنظمة السياسية القمعية أو الفاشلة التي تُفهم على أنها ظالمة للمسلمين السنة”. وقد سمحت هذه الدعاية لمجموعة “داعش” بإرساء جذور يمكن أن تساعدها على البقاء لوقت طويل، كما يقول.
بعبارات أخرى، في سياق الدول المنهارة، يعمل “داعش” مثل مافيا أو عصابة شوارع، قاسية وإنما ضرورية ولها ميثاقها الخاص للشرف. ويصف دون وينسلو، مؤلف كتاب عن كارتيلات المخدرات المكسيكية، مزج “داعش” المشابه للعنف المفرط بأعمال حماسية من الفضائل المدنية “تواصل إرهابوي”. ويقول أنها بعد أن دفعت الدولة المكسيكية إلى الرد بوحشية مكافئة لوحشيتها، “كانت الكارتيلات تواصل الصراع من خلال قيامها ببناء العيادات والكنائس والملاعب، وإقامة المهرجانات للأطفال واحتفالات عيد الأمهات، والتي تعطي فيها لكل امرأة غسالة أو ثلاجة”.
إن سياق أرض العصابات الذي يعمل “داعش” ضمنه، سواء كان ذلك في العراق أو سورية أو شبه جزيرة سيناء المصرية التي ينعدم فيها القانون، أو في سرت الليبية حيث سيطرت المجموعة على أراضٍ، هو ما يفسر جزءاً من حصانة أتباعها أمام الإقناع. وبذلك، أصبحت الشخصيات الإسلامية التقليدية، وحتى المبشرين الجهاديين الذين يُنظر إليهم على أنهم ليسوا متطرفين بما يكفي، بلا سلطة على مجموعة تؤمن بأن معظم المسلمين خرجوا عن الصراط المستقيم. ويقول السيد فرنانديز من معهد بحوث إعلام الشرق الأوسط: “إن داعش هو نتاج دمقرطة المعرفة والمعلومات. ويتم ترويج أطروحته الدينية عن طريق أناس ليس لهم أي تفويض أو رصيد سوى القتال، وكونهم على الأرض ومنخرطين في العمل”.
كل هذا يعني أن الطريقة الأكثر فعالية لمكافحة دعاية “داعش” لن تكون استخدام الدعاية المضادة، وإنما العمل المضاد. ويقول السيد ليستر: “إن المفتاح لهزيمة داعش هو حل الإخفاقات المجتمعية والسياسية في العراق وسورية”. لكن من المضني إعادة تجميع أجزاء الدول التي تفتتت أو التي بصدد الفشل معاً. وفي هذه الأثناء، ربما يكون قتال المجموعة هو الخيار الأفضل. ويقول السيد فرنانديز: “إن داعش هو عبارة عن سمكة بخاخة (منتفخة). إنها تنفخ نفسها لكي تبدو أكبر مما هي فعلاً”. وبذلك، لن يكون هناك ما هو أكثر تدميراً لدعايتهم من إلحاق هزيمة عسكرية مناسبة بهم.

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Islamic State: The propaganda war

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock