أفكار ومواقف

حرب حتى آخر أوكراني..!

علاء الدين أبو زينة

كتب شيلدون ريتشمان: “على عكس ما يقترحه حكام الولايات المتحدة المنافقون ووسائل الإعلام الموالية لهم، ثمة افتراضان يمكن أن يكونا صالحين –وهما كذلك: 1) أن روسيا قد أساءت بشكل صارخ ووحشي وجنائي التعامل مع الوضع الذي واجهته فيما يتعلق بأوكرانيا، و2) أن الحكومة الأميركية كانت منذ أواخر التسعينيات مسؤولة بالكامل عن فرض هذا الوضع على روسيا”.

على الأقل، حسب الكاتب، كانت الولايات المتحدة هي السبب الذي دفع روسيا إلى تقليب خيارات منها الحرب. وعليه، يمكن افتراض أن روسيا لم تكن لتحتاج إلى “الشكل الصارخ والوحشي والجنائي” الذي تعاملت به مع الموقف لو أنها لم تُدفع إليه –أو لو أن الولايات المتحدة فكرت في المطالب الروسية بالابتعاد عن محيطها والكف عن تهديد أمنها القومي.

الآن. مثلما أسست الولايات المتحدة “الإرهاب” في أفغانستان وربطته بالإسلام حصرا وتنصلت من مسؤولياتها عن تأسيسه، فإنها تتنصل من مسؤوليتها عن دفع روسيا إلى الموقف الذي وجدت حله في غزو أوكرانيا وما يترتب عليه.

وفي الحقيقة، تقاتل الولايات المتحدة وحلفاؤها روسيا بالأوكرانيين، وتقول للروس: “سنقاتلكم حتى آخر أوكراني”. كل ذلك وهي تعرف أن الروس متفوقين عسكرياً بما لا يقاس، وأن إطالة أمد الحرب ستعني سقوط مزيد من الضحايا الأوكران الذين تتباكى عليهم.

حتى أن الكاتب جوناثان ستيل يقترح أن استسلام أوكرانيا قد يكون خياراً مشرفاً. وبعد أن يحذر من إجبار روسيا على تغيير أساليبها في الحرب وتتخلى عن العناية بأرواح المدنيين الأكرام لحسم الحرب –وهو ما تحذر منه المخابرات الأميركية نفسها أيضاً- يكتب:

“يواجه الأوكرانيون خياراً قاتماً. وما مِن خيار مستساغ. إما أن يستمروا في المسار العسكري الذي يترتب عليه سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، أو يستخدم زيلينسكي وجماعته المحادثات التي تجري مع الروس للدفع من أجل وقف إطلاق النار على مستوى البلاد والموافقة على المطالب الروسية بحياد أوكرانيا ونزع سلاحها”.

الآن، يصرح الرئيس الأوكراني ومسؤولوه بأن حلفاءه الغربيين لم يفوا بوعودهم بدعمه وحماية بلده ومواطنيه. ويرد مسؤول أوروبي بأن الحلف فعل كل ما يمكن فعله وقدم كل شيء وأكثر لأوكرانيا، لكنه لن يشتبك عسكرياً مع روسيا.

ويقول وزير الخارجية الأميركي إنه يعمل على رفع كلفة الحرب على بوتين، وهو يعرف –مثل كل المراقبين- أن الأوكران وبلدهم يدفعون ثمناً فادحاً أيضاً.

وسوف تتجاوز كلفة الحرب خسائر الأوكران. الآن، يضع الشرق الأوسط ومناطق أخرى أيديهم على قلوبهم من ارتفاعات الأسعار المتوقعة في النفط والغاز والمواد الغذائية الأساسية، وعلى رأسها الخبز. وليس من المتوقع أن تعوض أميركا وحلفاؤها الفرق للفقراء أو توفير البديل.

ومثلما كان الحال في كثير من الأحيان، سوف يدفع الآخرون دائماً كلفة الطموح الأميركي إلى الهيمنة –حتى البيض زرق العيون- إذا لزم الأمر كما في حالة الأوكران، أو مواطنو أوروبا الذين سيدفعون كلفة إيواء لاجئي الحرب وقطع العلاقات التجارية مع روسيا.

وفي السابق، ضحت أميركا بملايين العراقيين ومصائرهم ودمرت بلدهم من أجل “حرية العراقيين”، وبالسوريين والليبيين من أجل “حرية السوريين والليبيين”، من بين آخرين.

وليست حرية أحد في الكوكب مصلحة لنظام يرى في حرية الآخرين انتقاصا لهيمنته واحتمالا لمنافسته.
تكشف هذه الحرب، بثمن أرواح الأوكرانيين والروس، عن عدم صلاحية النظام العالمي الذي يريد التحالف الأميركي-الغربي الحفاظ عليه، والقائم بوضوح على مبادئ زائفة وازدواجية فاضحة في المعايير.

وبينما يتحدث هذا التحالف الآن عن جمع أدلة ميدانية لمحاكمة الروس لاحقا عن جرائم الحرب، لم تُحاسب أي واحدة من هذه الدول على جرائم الحرب الوفيرة والمستمرة في تاريخها. ثمة مئات الملايين من ضحايا الاستعمارات الذين استهدفوا في أرواحهم وحرياتهم ومقدراتهم.

وثمة ضحايا الدعم والحصانة التي توفرها هذه الدول لمجرمي الحرب الذين ترعاهم، سواء كان الكيان الصهيوني المجرم كمثال واضح، أو عملائها من زعماء الدول الذين ترعى قمعهم واعتقالهم ونهبهم لمقدرات شعوبهم وقتل معارضيهم تحت التعذيب أو بالاستهداف المباشر.

مع التعاطف الواجب مع الأوكران وإدانة الحرب البشعة، ليس هناك ما يسوغ التعبير عن التعاطف بالوقوف إلى جانب التحالف الغربي وتبرير سياساته التي نحن من ضحاياها الدائمين.

لكن الأسياد الإمبرياليين يحاربون بهؤلاء، أيضاً، حتى آخر عربي.

المقال السابق للكاتب 

لماذا إهمال الكلاب الضالة..؟!

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock