فنون

“حرب سينمائية” تندلع بين الجزائر وفرنسا

الجزائر – نكأ قانون “تمجيد الاستعمار في الجزائر والمغرب وتونس” الذي أقرّه البرلمان الفرنسي العام 2005 جروجاً لم تندمل، بسبب ما عانته شعوب المغرب العربي من جرائم وانتهاكات فظيعة إبان العهد الاستعماري.


وجد السينمائيون أنفسهم ينخرطون في “حرب” كان السلاح فيها، الأفلام والأشرطة الوثائقية، وانضم المؤرخون إلى جوقة هذه “الحرب” بمؤلفات حديثة.


وكان فيلم “خارجون عن القانون” للجزائري رشيد بوشارب، الرصاصة التي أعلنت بداية “عهد الكراهية”، حيث يظهر الفيلم “عبر مقاطع بشعة”، التعذيب الذي مارسته فرنسا ضد الجزائريين، ولعب بوشارب على إبراز تاريخ فرنسا الاستعماري البشع الذي حاولت إخفاءه بقانون يمجّد استعمارها للجزائر ويتباهى بـ”منجزاتها” في مستعمرتها السابقة.


أغاظ الفيلم الفرنسيين الرسميين، وخصوصا البرلمانيين من الأحزاب اليمينية، وانطلقت احتجاجات ومظاهرات في فرنسا عشية عرض الفيلم هناك، بل وهدد متطرفون بإحراق دور السينما التي تعرض الفيلم.


وحصد الفيلم جوائز في مهرجان “كان” في فرنسا نفسها، كما حصد جوائز وألقاباً عربية كثيرة، ووصفه نقاد سينمائيون عرب بـ”أضخم إنتاج سينمائي عربي في القرن الجديد”.


وفيلم “أسد الجزائر” لأحمد راشدي، كان صفحة أخرى في السجال الدائر بين البلدين، إذ روى راشدي في فيلمه “مآثر” أحد مفجري الثورة ورقماً كبيراً فيها، وكيف اغتالته فرنسا، وهو فيلم ضخم وقفت خلفه وزارتا المجاهدين والثقافة الجزائريتين.


وفي الأفق، مشاريع أفلام ثورية كبيرة تنتظر الإذن من وزارة الثقافة، منها فيلم حول العقيد لطفي، أحد قادة الثورة التحريرية، كما انطلق تصوير فيلم “زبانة”، الذي يتناول قصة أول شهيد ينفذ فيه حكم الإعدام بالمقصلة، وهو أحمد زهانة، ويُشرّح الفيلم أساليب التعذيب المُمنهج الذي اعتمدته فرنسا.


وفي الوثائقيات، غاص الوثائقي الجزائري “حرب الجبناء” خلال 52 دقيقة، عبر قصة حقيقية لفتاة جزائرية كانت ضحية هذه الألغام، وعبر شهادات حية لضحايا آخرين.


وسيترجم هذا العمل إلى الفرنسية، والإنجليزية والإسبانية، واستفاد هو الآخر من تمويل صندوق دعم الإنتاج الذي تشرف عليه وزارة الثقافة.


أما فرنسا، فقد ردت بفيلم “رموز وآلهة”، حاولت به تلطيخ صورة الجزائر من خلال رجوعها إلى حادثة مقتل رهبان دير “تيبحيرين” في مدينة المدية جنوب الجزائر في التسعينيات من القرن الماضي على أيدي الجماعات الإرهابية، وذهب المخرج إلى محاولة توريط الجيش الجزائري في العملية، وهي الرواية التي تصر عليها السلطات الرسمية في فرنسا.


كما عمدت فرنسا إلى “الاستعلاء” عن ذكر مصطلح “الثورة الجزائرية” في كل الأفلام التي تناولت فيها قضية استعمارها للجزائر، واكتفت بعبارة “حرب الجزائر”، وأظهرت ساستها الذين زاروا الجزائر قبل استقلالها على أنهم دعاة تنمية وأصحاب مشاريع اقتصادية وتنموية، في مقدمتهم رئيسها الأسبق “فرانسوا ميتران”.


هذا الطرح الفرنسي، وقف في وجهه المؤرخ الفرنسي الجزائري المولد، بنجامين سطورا.


وفي الموضوع، قال أحمد راشدي، مخرج فيلم “أسد الجبال” الذي يتناول سيرة الشهيد مصطفى بن بوالعيد، أحد كبار رجالات الثورة الجزائرية، إن السينما الجزائرية لم تصل بعد إلى مرحلة “التأثير في الرأي العام الفرنسي”، ويرجع راشدي الأسباب إلى “افتقار البلاد إمكانات سينمائية هائلة تمكنها من إثارة الرأي العام الفرنسي، وتشعره بما اقترفته فرنسا في الجزائر”.


و”على استحياء” حيا المخرج الجزائري الأفلام الثورية الأخيرة، بما فيه فيلمه الجديد “أسد الجزائر”، لكنه استدرك قائلاً “منذ الاستقلال لم ننتج عشرة أفلام قوية قوة الثورة الجزائرية. حتى فيلم “معركة الجزائر” الذي ترك بصمته في الجزائريين، لم يكن في قامة الثورة وزخمها وعنفوانها”.


وتابع راشدي، “لقد كان مؤتمر الصومام معجزة حقيقة، تخيلوا أن 300 شخصية وطنية بينهم عسكريون وسياسيون، يلتقون في منطقة محاصرة من المستعمر الفرنسي، ويتلاعبون بفرنسا ومخابراتها وعسكرها، ألا يحتاج هذا إلى عمل سينمائي جبار؟ هل تعلمون أن عدد الذين خططوا لتفجير الثورة كان مائة شخص فقط، ألا يحتاج هؤلاء إلى عمل سينمائي يخلد ما فعلوا؟”


غير أنه ومن جهة أخرى، خاطب فرنسا قائلاً “نحن سينمائيون وسندافع عن تاريخ بلادنا من دون الخوض في السياسة، لسنا معنيين بالسياسة، نحن معنيون بذاكرة شعب وبآلامه التي قاساها يوما ما، ولا يجوز لنا أن ننساها”.


وكشف قائلا “أن مقربين من محيط الرئيس بوتفليقة بلّغوه أن الرئيس يُحضر تعليمة تحث المسؤولين في الدولة والوزارات على دعم الأفلام الثورية “خصوصا”، وتدعوهم إلى دعمها بالأموال التي يطلبها المخرجون من دون “بُخل”، ويضيف أنه يعلق الكثير من الآمال على هذه التعليمة لإطلاق المزيد من الأعمال الثورية العملاقة، على حد تعبيره.من جهته، قال البروفيسور محمد القورصو، أستاذ التاريخ في جامعة الجزائر، “إن فرنسا أعلنت في 18تشرين الأول (أكتوبر) الماضي (أي قبل شهر فقط)، إنشاء “مؤسسة كتابة تاريخ حرب الجزائر ومعارك تونس والمغرب”.


وعلّق قائلاً “إنشاء هذه المؤسسة يعتبر شأناً فرنسياً خالصاً”، ورفض الدخول في جدال وفي ردود أفعال مع فرنسا. “علينا أن لا نأبه لما تفعله فرنسا، نحن نغرق في رد الفعل. ما نريده هو أن نصبح الفاعلين والمؤثرين”، واسترسل “أنا أتوقع الكثير من فرنسا، وستكون ردود أفعالها قوية، خصوصا بعد أن شعرت بضغوط من ناحيتنا في قضايا التاريخ والذاكرة”.


ودعا القورصو السينمائيين الجزائريين إلى تكثيف الإنتاج لـ”محاصرة الإعراض الفرنسي عن الاعتراف بما اقترفته في الجزائر”، ودعا إلى “اقتحام التاريخ”، كما قال، من خلال الخوض في مسائل حساسة، ذكر منها “الاغتصاب أثناء الثورة التحريرية”، حيث قال “إن هذا الملف سيورط فرنسا أكثر، وسيكشف وجهاً آخر بشعاً من وجوهها البشعة الكثيرة”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock