أفكار ومواقف

حرب قذرة!

تخوض الولايات المتحدة الأميركية حربا قذرة مع الصين. حرب لا تستخدم فيها الرصاص أو القنابل أو الصواريخ، وخسائرها اقتصادية لا بشرية، وذلك بعد إدراج إدارة الرئيس دونالد ترامب شركة “هواوي” على القائمة السوداء للتجارة، ما حرمها من الاستفادة من نظام التشغيل الأميركي “أندرويد”، بالإضافة إلى منع الشركة الصينية من استخدام الرقائق المكونة لأجهزتها المحمولة.
استخدام واشنطن في حربها مع “هواوي” سلاح التكنولوجيا ليس بجديد، حيث يعيدنا هذا السلوك إلى صراع شركة “آبل” الأميركية مع نظيرتها شركة “سامسونغ” الكورية في العام 2011، عندما أطلقت الأخيرة الهاتف Galaxy S، وزعمت الشركة الأميركية أن “سامسونغ” انتهكت نحو عشر براءات اختراع تابعة لها دفعة واحدة.
هذا يقودنا للحديث عن أن الهيمنة في زمننا الحاضر تخطت مفهوم القوة العسكرية إلى قوة التنكولوجيا، ورغم التقدم العالمي في هذا الاتجاه إلا أن الولايات المتحدة تبقى هي الجهة المسيطرة على منظومة أنظمة التشغيل والإنترنت والسيرفرات وغيرها، إذ تستطيع هذه الدولة، التي يقودها رئيس يتسم بالتطرف والعنف، أن تشل حركة أي دولة تكنولوجياً وتلحق بها خسائر اقتصادية لن تقوى على تحملها وذلك من خلال العالم الافتراضي، دون اللجوء إلى الحصار الاقتصادي.
التهديد الذي تمثله الشركة الصينية لشركات الهواتف الذكية الأميركية من الناحية المالية هو المحرك الرئيسي لمثل هذا النوع من الحرب، وهي تشبه إلى حد بعيد الحروب التي نشبت سابقا من أجل السيطرة على مجال النفط، وتلك المتوقع أن تكون في المستقبل من أجل المياه.
لكن في المقابل فالصين دولة لا يستهان بها، ومن استطاع أن يضع شركة “هواوي” في مصاف شركات الهواتف الذكية العالمية قادر على إنتاج نظام تشغيل خاص به، بدلا من الاعتماد على نظامي الأندرويد وويندوز، وربما الخاسر الأكبر هنا الشركات الأميركية التي ستفقد زبونا بحجم الشركة الصينية.
“هواوي” هي الشركة الصينية الوحيدة التي اندرجت علامتها التجارية في تصنيف “فوربس” السنوي لأعلى العلامات التجارية قيمة بالعالم في العام 2018 للعام الثاني على التوالي. وتعتبر أكبر منتج لأجهزة الاتصالات في العالم.
كما أن التجارب تتحدث عن أنه كلما زاد حجم الضغط على دول مثل الصين ودول شرق آسيا فإنها ستكون على مسافة بعيدة من الاستسلام، بل على العكس فإن استفزازها يدفعها لمزيد من الابتكار والاختراع بهدف الاستقلالية.
شركة هواوي ردت بالقول إن واشنطن “تسيء تقدير قوة” الشركة، وهو رد يشي بشعور القوة، وأنها قادرة على المقاومة في هذه الحرب التجارية بين بكين وواشنطن، خصوصا أن الشركة أكدت “شبكات هواوي للجيل الخامس لن تتأثر”، وزادت بزهو “في ما يتعلق بتقنية الجيل الخامس لن يتمكن الآخرون من اللحاق بهواوي وقد يستغرقهم هذا عامين أو ثلاثة”.
ربما السلوك الأميركي كان ليأخذ تأثيرا أكبر وبعدا آخر في حال كان موجها ضد العرب، حيث لن تبقي هذه الحرب ولا تذر، كوننا نخضع كليا على صعيد التكنولوجيا للعالم الغربي، في المقابل لا نملك أي وسائل دفاع قد تسعفنا في اللحظات الأخيرة، قبل أن تتهاوى، بكبسة زر، أنظمتنا المحوسبة وطائراتنا، وكل شيء متعلق بالإنترنت الذي تتحكم به شركات أميركية تملك سيرفرات تحتضن كل محتوياتنا المحوسبة.
نعقد القمم، ونتبادل الاتهامات، وتستقوي كل دولة على الأخرى، وننفق المليارات في أوجه لا تقدم للعالم العربي ما يساعده على الاستقلال عن العالم الخارجي، ونرهن أنفسنا ومستقبلنا لـ”الإنترنت” الذي إن أراد صاحب الكلمة العليا به أن يفقدنا كل شيء فسيفعلها بطرفة عين، وعندها لن يكون بمقدورنا سوى الاستسلام. فشتان ما بيننا وبين الصين!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock