أفكار ومواقف

حروب أطفال

ربما يكون هدف إسرائيل الأول من قصف المدنيين لاسيما حيث يتركز الأطفال فرارا من الموت، ناهيك عن استهداف هؤلاء في العراء يلعبون على شاطئ غزة، هو ذات مضمون الرسالة “المشفرة” التي كانت تبعث بها إحدى محطات الإذاعة لمقاتلي الهوتو، إبان مذبحة رواندا في العام 1994: “لكي تقتل الجرذان الكبيرة، يجب عليك أن تقتل الجرذان الصغيرة”؛ في إشارة إلى ضرورة قتل أطفال التوتسي أيضاً. وفعلاً، فقد أحصت الأمم المتحدة مقتل 300 ألف طفل، بوسائل شتى، خلال أقل من أربعة أشهر؛ كما تسرد روبين رايت في مقالها في “نيويوركر” مطلع هذا الشهر “الطريقة الجديدة للحرب: قتل الأطفال”.
مع هذا الهدف، تتحقق غاية أشد فتكاً قد تكون متضمنة أيضاً في الرسالة السابقة، لكن العالم أجمع شهد تجسيداً كاملا لها في عملية الإصرار على قنص الطفل محمد الدرة، في قطاع غزة في أيلول (سبتمبر) 2000؛ وهي: قتل الأب (والأم طبعاً) معنوياً بشكل كامل، مع إبقائه حياً جسدياً، لضمان معايشته كل ألم الفقد لأطول مدة ممكنة.
لكن هكذا جريمة، وخلافاً للانطباع الأول، لا تبدو لعبة صفرية أبداً؛ يجني فيها الأكثر قوة المكاسب كلها. الحقيقة المثبتة أنها لعبة صفرية للجميع، حتى لو حقق المنتصر عسكرياً المستحيل؛ بأن نجح في إبادة جميع أعدائه وخصومه. وفي الحالة الإسرائيلية تحديداً، فقد أقر أحد كبار المسؤولين الإسرائيليين غداة التوصل إلى اتفاقية أوسلو أن أحد أسباب سعي إسرائيل إلى إنهاء الانتفاضة الفلسطينية الأولى باتفاق سياسي، هو إنقاذ الشباب الإسرائيليين الذين بدأت الانتفاضة (أو للدقة قمعها) تحطم نفسياتهم، أو تشوهها. واليوم أيضاً، تبدو وسائل إعلام إسرائيلية على الأقل، منشغلة، ولو بدرجة قليلة، بما يتداوله المراهقون والشبان الإسرائيليون على مواقع التواصل الاجتماعي من دعوات لقتل الفلسطينيين بشديد افتخار. وإذا كان ممكناً الجزم أن هذا الانشغال ليس باعثه الحرص على الفلسطينيين أبداً، وربما يكون محركه في جزء منه صورة إسرائيل في العالم، إلا أن الهدف الرئيس من هذا الانشغال، بافتراض بقاء شيء من حصافة لدى الإسرائيليين، هو الخشية من سيادة ثقافة العنف والقتل بين الأجيال المقبلة، والتي ستجد ترجمتها لا ضد الفلسطينيين وحدهم، بل بين الإسرائيليين أنفسهم.
عند هذه النقطة؛ أي التدمير الداخلي، يبدو الأمر وثيق الصلة بما يجري في البلدان العربية التي تظن أنظمتها أنها بالحلول العسكرية الأمنية تستطيع تجديد بقائها لعقود أخرى، وفق شروط القهر ذاتها خلال الفترة السابقة مباشرة على “الربيع العربي”. وكما يروي كومار تيكو، الذي عمل في المجال الإنساني في سورية مؤخراً، فإنه حتى الأطفال الذين ما يزالون يحيون في بيئة آمنة نسبياً في دمشق، ولو لم يفقدوا أياً من ذويهم، لا يمارسون إلا ألعاباً تجسد العنف في مدارسهم. بل ويكشف مرشد تربوي في إحدى مدارس وسط دمشق، أن إقناع طفل في الصف الخامس الابتدائي بعدم إحضار سكين معه إلى المدرسة لحماية نفسه، استغرق خمس جلسات إرشاد خاصة. علماً أن هذا الطفل ما يزال “محظوظاً” بالعيش في بيته مع والديه.
ولعل العراق اليوم، يقدم الدليل على حصاد العنف السابق؛ فما هي أعمار المقاتلين هناك، من الثوار السنة أو “داعش” أو الفصائل الشيعية؟ أغلب الظن أن جزءاً كبيراً منهم، إن لم يكن أغلبهم، من الشباب الذين عايشوا الصراع الطائفي أطفالاً عقب الغزو الأميركي، سواء على جانب الضحية أو الجلاد لا فرق، فصاروا اليوم مستعدين لممارسة أشد أشكال العنف، وارتكاب أبشع الجرائم، بدم بارد كونه أمراً اعتيادياً مجبولاً بالنفس.
بالمحصلة، هي اليوم حروب ضد الأطفال، وإن لم يُستهدَفوا عن سابق إصرار، وفي ذلك شك كبير في كل الحالات السابقة. لكنها بذلك تؤسس حتماً لحروب الغد التي سيخوضها أولئك الأطفال شباباً ورجالاً، بدافع الانتقام، أو نتيجة تطبع/ تشوه الشخصية بالعنف إلى الأبد.

تعليق واحد

  1. عيد النصر ، وعيد الفطر ، اجتمع واقترب.
    ان قتل الابرياء المدنيين العزل ، من نساء وأطفال وشيوخ في الحرب الدائرة في قطاع غزة ، ومن خلال الجرائم والمجازر التي يرتكبها العدو الصهيوني هناك ….. يثبت دون ادنى شك ، فشل العدوان الصهيوني ، في مواجهة رجال المقاومة… وفشل العدوان الصهيوني ، على قطاع غزة ، والذي يعني انتصار المقاومة ، والشعب الفلسطيني ليس في قطاع غزة فحسب ، بل وفي الضفة ، وأراضي عام 1948 …. فهذه الحرب الاولى ، ومنذ عام 1948 ، والتي يواجهها العدو الصهيوني ، مع المقاومة الفلسطينية ، وبهذه القوة ، والإصرار ، والعناد ، والشجاعة ، والبسالة ، والتطور من خلال استخدام انواع جديدة من السلاح ، ومن اساليب المواجهة في حروب العصابات ….. والتي لم يرى او يشاهد العدو الصهيوني نظيرها من قبل ، وخلال اكثر من (60) سنة …. وخاصة بعد هزيمة جيوش الانظمة العربية ، خلال حروب عام 1948 و 1967 و 1973 …. فالنصر قاب قوسين او ادنى …. واقرب من أي وقت مضى.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock