ماذا تريد أيضاً؟!
تستطيع أن تنتقد سير العملية الانتخابية المرتبكة في أميركا، وتكشف من مكانك المعتم عملية تزوير مفترضة في جورجيا، وشراء أصوات بالسكّر والزيت في فيلادلفيا. وبإمكانك أن تتهم الديمقراطيين بالشعبوية، وتلوم الجمهوريين على صفوفهم المخترقة. تستطيع أيضاً وأنت في الجيزة أو حلب أو نواحي البصرة أن تتوعّد الرئيس المنتخب بأن تجرّجره في المحاكم بعد انتهاء ولايته.. وتسمع أغنية نادبة في طريق العودة إلى البيت.
لك الحقّ في التدخل “الخارجي” بانتخابات بلدية موناكو، حتى وأنت مقيم في سوسة أو عنابة أو خلف أسوار مراكش، يمكنك أن تكتب غاضباً مطالباً بإعادة الفرز. حين تستيقظ وأنت تبحث عن الشرّ، يمكنك أن تطالب في برنامج إذاعيّ على هواء بلدك، بإسقاط عمدة لندن، ومهاجمة فساده بعيداً عن الشخصنة. قل رأيك بما تملك وما لا تملك من الجرأة في حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الحاكم في ألمانيا.. واستمع لأغنية راقصة في طريق العودة إلى البيت.
أنتَ حرٌّ في أن تصعد الجسر أو تدخل في النفق. صحيح أن إدارة السير تغلق أحياناً الجسر أو النفق أو كليهما، لكنّ هذا أمر مؤقت، وعلى الرصيف هناك شاخصة خشبية تعتذر منك بأدب طارئ. أنت حرٌّ في تسمية ابنك أحمد أو قاسم، ولكَ مطلق الحريّة في أن تنام على الجنب الأيسر رغم مخاطره الصحية المذكورة في التلفزيون الحكوميّ. وحرٌّ أنتَ أن تستمع إلى أغنية نادبة أو راقصة.. وحرُّ في العودة أو اللاعودة إلى البيت.
من قال إنك لست حراً. هناك، مساء أي سبت، مباراة عصيبة في كرة القدم بين برشلونة وريال مدريد. جهاز التحكّم في يدك، لن يفرض عليك أحد مشاهدة مباراة فالنسيا وإشبيلية الباردة. ثمّ وأنتَ بكامل إرادتك الحُرة تختار صوت المعلق الأكثر ثقافة والأقل ضجيجاً. قبل كلّ ذلك، أنت حرٌّ في تشجيع الفريق الملكيّ أو الكتالوني، فلن تداهم بيتك قوة خاصة بملابس سوداء، وأسلحة أوتوماتيكية متحفّزة لترهبكَ، ثم ترغمك على تشجيع الأنصار اللبناني.
تنتقد الفستان المكشوف للممثلة المصرية التي تشتري الجدل. هذا حقك. تطالب الممثل العجوز بالتنحّي أو القبول بدور محدود كضيف الشرف. هذا شأنك. تحتد على خدمة العملاء وتتمنى عليهم دلالاً واحتراماً زائداً. لا لوم عليك. تأمر النادل بتبديل الطبق بسبب بقعة غريبة. القانون والعُرف في صفّك. تركن سيارتك في المساحة الترابية السائبة أمام بيتك بالطول أو بالعرض. هذا اختيارك الحُرّ. فوق كلّ ذلك يمكنك الإجابة بنعم أم لا في استفتاء سكان البناية على مواعيد رمي القمامة.
إذاً أنت حرٌّ حتى في تبرّمك من نقص منسوب الحريّة في بروكسل. ماذا تريد أيضاً؟!
قلْ
ماذا؟!
لديك كلّ هذه الحريات وتريد “حريّة”!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock