أفكار ومواقف

حرية التعبير أُمّ الحريات

منذ عقد ونصف العقد شكل قانون المطبوعات والنشر القصة المركزية في قضية حرية التعبير في الأردن، وبالنهاية التي ختم بها مجلس النواب هذه الجولة من سجال الحريات العامة بات من الواضح أن هذه القضية تفتقد لمسار تاريخي واضح؛ فلاتزال تدور في حلقة مفرغة فوق مساحة رمادية عصية على الفهم أو الحسم.


ولأن قضية حرية التعبير وضمان الحق في حماية الرأي هما جذر قضية الحريات في كل الأزمنة ولدى كل الشعوب والمجتمعات التي شقت طريقها في هذا الشأن، ولطالما افتتحت بها الدساتير العريقة، فإن أهم ما تكشف عنه عملية المراوحة والدوران المستمر في هذه الحلقة المفرغة التي تشهدها الساحة المحلية زيف جملة من الادعاءات التي تفسر أسباب إعاقة التحول السياسي والمشاركة، بل أن مشهد الهجوم والدفاع في معركة حرية التعبير الراهنة يفضي الى حقيقة مستفزة للوهلة الأولى مفادها غياب التقسيمات التقليدية التي الفتها الساحة المحلية في تصنيف القوى المناصرة للإصلاح السياسي وتلك المترددة في شأنها.


الشرط الموضوعي لحرية التعبير، أن تكون حرية قبل أي شيء آخر، وكما ان حرية التعبير لا يمكن ان تكون ستائر نحركها لرؤية الشمس متى ما شئنا فإنها تشير كما هو الأمر في الحالة الأردنية الى ارتباطها بمفهوم القوة حيث تتداخل عوامل وقوى عديدة تصطنع أوهامها تارة بالاختباء وراء خلفيات اجتماعية وتارة وراء خلفيات ثقافية.


الافتراض الذي لا يحتاج الى رهان بأن الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى يجب ان تتقدم نحو الحرية والاستقلالية، وان الإعلام المستقل عن السيطرة والتدخل الحكومي أو سيطرة مجموعات اجتماعية واقتصادية هو القادر على دعم عملية التحول الديمقراطي والحفاظ على استمرارها ودعم عناصر المشاركة والتنافس، وهو قبل كل ذلك الضمانة الحقيقية لحماية المصالح الوطنية، وبذلك يكون الإعلام الحر والمستقل أداة من أدوات التحول السياسي وحاميا للديمقراطية فيما بعد، علاوة على كون الحق بالإعلام الحر يرتبط بحقوق الإنسان في الأصل، وهو حق للأفراد والجماعات للتعبير عن الآراء ووجهات النظر والمعتقدات ومحاربة الفساد والإسهام في حماية العدالة.


إصلاح الإعلام هو مرحلة وأداة في الوقت نفسه في عملية الدمقرطة السياسية، وأصبح من الواضح ان المقصود بإصلاح الإعلام ضمان حرية واستقلالية هذه الوسائل، وعدم احتكارها سواء من قبل السلطة الحاكمة أو مجموعة صغيرة من قوى السوق أو قوى اجتماعية محددة.


إن قوة تركيز الإعلام في يد مجموعة محددة تتناقض مع تطور المجتمع نحو الديمقراطية؛ وعلى هذا الأساس فإن الدمقرطة تسهم في إعادة تنظيم المجتمع بطريقة تمنع احتكار وسائل الإعلام لضمان مستوى من التعددية والتنافس والمشاركة، وللوصول لهذه الغاية في إصلاح الإعلام ينبغي وجود أمرين: أولهما إصلاحات تشريعية وقانونية تعمل على تأسيس حرية إعلامية فعالة ومضمونة وإعلام مستقل غير محتكر من قبل حكومة أو حزب أو قوى اقتصادية أو اجتماعية محددة، وثانيهما: ضمان استمرار الحرية والاستقلالية، ويتم ذلك من خلال عمليات التمأسس على مستوى المجتمع المدني، حيث تعزز الحرية والاستقلالية بالممارسة الفعلية لمؤسسات المجتمع المدني والنخب والأفراد.


تعمل عملية إصلاح الإعلام على خط مواز في مساندة تنمية نظام اجتماعي وثقافي داعم لقيم الديمقراطية من خلال عرض ثقافي تراكمي يوطن ويضمن حق المعارضة لكي تصبح جزءاً من المجتمع السياسي، ويقدم المنظور الاجتماعي الثقافي للتحول السياسي السلمي عدة أنماط يُمارس من خلالها إصلاحا ثقافيا مساندا للديمقراطية تبرز فيه عمليات إصلاح ثقافي تؤسس من خلال الإعلام، وأهمها مدخل المجتمع المدني في الإصلاح، ومدخل الخصوصية الديمقراطية ومدخل التغيير النظامي ومدخل نمط الحياة، وجميعها مداخل تتناول إصلاح الإعلام في إطار الإصلاح الشامل.


لاتزال لدينا قيم كبرى في الحياة السياسية لم تحسم بعد لأن قضية حرية التعبير لا تتقدم، في كل مرة تعاد الاطروحات المركزية ذاتها تحت مسميات جديدة؛ مرة بالاختباء خلف مسميات قادمة من مجال سياسي آخر من دون أي تكييف وطني أو محلي، ومرة خلف مسميات منحوتة من الخيال السياسي، والتي لا تعبر عن شيء واقعي، بينما يقرأ المراقب للأردن من الخارج أو من داخل السفارات في عمان، الحالة الأردنية من صحافتها، ومن تعليقات كتابها أكثر من أي وسيلة أخرى، ما يجعله يتصور أن البلاد مفرغة من المضمون ومقيدة بالألغاز والأحاجي، فيما يتم تصوير الأحوال وكأنك يمكن ان تميز بين المارة في الشوارع، وان تعرف كل شخص وهواه بمجرد النظر في قسمات وجهه، وأساس هذه الحالة ان الكثير مما يكتب هو سجال مبطن فيه تُقية عالية وليس فيه إلا القليل من الحوار والحرية.


المناقشة الوطنية لا تحتاج إلى البلاغ رقم واحد لكي تبدأ مراسيم افتتاحها، وبقدر ما نحن به من حاجة ماسة إلى نقاش وطني حقيقي، تشترك فيه القوى كافة وجميع أطراف المجتمع، يحدد الخيارات الوطنية وأدواتها، بقدر ما نحن بحاجة أيضا إلى وفاق يحسم القيم السياسية الكبرى التي دونها لا يمكن أن تدار المناقشة الكبرى؛ وأهمها ضمان حرية التعبير وترسيخها في الثقافة السياسية للنخب والناس، وهذا ما يوصلنا الى ان قضية حرية التعبير هي اليوم حجر الأساس لأي مشروع إصلاح سياسي وطني ينمو من الداخل ويتفق مع الحاجات الوطنية، وإعاقة هذه الحرية بالشكل الذي نشاهده يعني أن ما يسمى بالقوى المحافظة دخلت بالفعل في تحالف مشبوه مع القوى التي توصف بارتباطها بأجندات خارجية، وللمرة المائة تثبت الأحداث ان مراكز القوى وصراعات النخب تكسب فيما تخسر المصالح الوطنية.


[email protected]

‫6 تعليقات

  1. اهمية الاعلام
    الصحفي الدكتور باسم الطويسي ان مقالك واقع ملموس وحقيقه لاينكرها احد وانني كمواطن اردني استغرب ان يقف اعضاء مجلس النواب بكل قوه امام الصحفيين في حرية التعبير ونقل الواقع بصدق وامانه بعيداًًعن الكذب والزور والبهتان في كتباتهم الصحفيه وانني ارى ان الصحفيين هم مراه واضحه للمواطن الاردني لما يدور من حوله.

  2. الاصلاح
    الاصلاح السياسي في الاردن يجب ان يكون مبنى على الحرية والديمقراطية حتى يتكون لدينا اصلاح وطني سياسي صحيح نقدر ان ننطلق منه.

    ويجب ان يتم التركيز في الوقت الحالي على الاعلام بشكل جدي حتى يصبح لدينا تنمية ثقافية واجتماعية واقتصادية شاملة.

  3. حريات خلف الكواليس
    ما زالت حرية التعبير في الصحافة منقوصة فهي لا تعبر عن الشعب ومعاناتة الغير معلنة للملا ما زال الكثير هناك ليقال عن الحرية وادوات التعبير عنها ما زال الاعلام داخل الاردن مسجون ضمن جماعات وافراد وجهات مختلفة لديها مصالحها نتمنى ان يرقى اعلامنا للافضل دائماً فجلالةالملك عبدالله الثاني حغظهالله في خطابه امام الكونغرس الامريكي يؤكد على الحرية وتحقيقها لجميع شعوب الارض وجزء من هذه الحرية التعبير دون الخوف من بطش الدولة او المسؤول فالاختلاف لا يعني انه ضد الدولة والحكومة بل يجب ان يكون اثراء لساحة التعبير وسماع الرأي والرأي الآخر
    وفقك الله يا استاذ باسم لتقول كلمة الحق دائماً

  4. لا حرية بدون صحافة حره
    ايها الاستاذ الفاضل لا حرية للصحافة في هذه البلد ما زالت الافواه مكممه والاذان صماء لا تسمع الا ما تريد والا إلي زي امثالك لهم رؤية وفكر بالبلد وصلوا لاعلى المراتب بس لانهم بيفهموا وعارفين شو بدهم وبيخدموا المصلحة الوطنية وخايفين عليها لا حياة لمن تنادي فالبئر عميق جداً ومظلم لا يسمعك فيه احد.

  5. طوعا وتأييدا.. للحرية الحـقة
    طوعا ًوتأييدا .. من فكري ومن خاطري، إلى حرية الصحافة والتعبير ومن نادى بها أو مارسها. فلا شك أنها مفتاح رصين نحو الحقيقة ونحو الحلول .. أقصد الحرية الحقّة لا المطلقة؛ الحقة التي تنصر الحق وتجرؤ على الباطل حيث كان، وتستنبط موارد الحقوق والحقائق.. لا المطلقة التي تمس الضمائر وتورث الظلم والفتنة، فتلك بلا شك -وبأتم الرفض- أنبذها، ليس وراء ظهري فحسب، بل تحت أسفل الموضوع من الشروعات .

  6. الحرية
    ان الحرية التي تعطى للمواطن يجب ان تكون مصحوبتا بنوع من التطور الذي يعود بالنفع على القارئين فنحن لا نريد ان تحصل الحرية على حساب شيء آخرفالوعي الذي يوجد في هذه البلد لم يصل إلى مرحلة التعبير الصحيح الذي ينمي الاردن دعني اذكر الوضع الذي حدث في مصربعد اعلان الجمهورية وإلغاء الملكية عندما وزعت الاموال على الفقراء واعطيت لهم النقود من غير ان يعلموا ما هي الطريقة التي يستخدمونه فيها فستخدمت في الاسلوب والطريقة غير الصحيحة .

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock