أفكار ومواقف

حرية القانون

د.نهلا عبدالقادر المومني

القانون والحرية مفهومان متوازيان لا تناقض أو إشكال بينهما؛ فالحرية تقود إلى القانون والقانون حامي الحرية وراعيها، لذا كان المفكر والفيلسوف الإنجليزي جون لوك دائما ما يشير إلى أن الحرية والقانون غير متضاربين؛ فغاية القانون ليست إلغاء الحرية أو تقييدها وإنما توسيع نطاقها وحفظها، فحينما لا يوجد قانون لا يوجد تحرر لأن الحرية لا بدّ أن تكون منعتقةً من القيد ومن العنف من جانب الآخرين.

إلا أنّ السؤال الذي يستوجب الطرح والتساؤل هو كيف انقلبت العلاقة بين هذين المفهومين، وكيف أصبح القانون لدى العديد من الأفراد مناقضا لجوهر الحرية ومضامينها، وأصبح القانون في نظر الكثيرين المنافي لمفهوم الحرية، لا بل الهادم لها أصلًا.

أين الخلل إذًا؟ هل هو في الرؤية التشريعية التي تبلور وتقنن الحرية، أم أن غياب روح القانون بين الأفراد وضبابية مبدأ سيادة القانون واجتزائه هو الذي أحدث هذه الفجوة، والمؤلم أن نرى هذه الفجوة آخذةً في التوسع والتمدد بعد مرور سنوات وسنوات من النضال الذي خاضته البشرية وصولًا لتأصيل العلاقة بين القانون والحرية.

الرؤية الفلسفية لأصل الأشياء وتكوينها غابت أو أخذت بالتراجع أمام مفاهيم وتفاصيل ونهج في التفكير ابتعد بالقيم عن جذورها ومدلولاتها الأصيلة، تلك هي إحدى معضلاتنا؛ فالحرية تجد ذاتها في رحاب القانون، فأي حرية لا تسير مع القانون الحق، هي حرية بالضرورة تجاوزت الآخرين وعبثت بحدودهم، وأي قانون لا يضع الحرية مكانها وموضعها الصحيح هو قانون ينطوي على اختلالات ابتعدت به عن مضامين الحقيقة والشرعية.

كم نحتاج للعودة إلى أصل الأشياء، الحقيقة أن الإنسان كلما ابتعد عن جوهر القيم وفلسفتها، أمست الرؤية مشوشة وضيقة؛ لذا نجد المشرع الدستوري في العديد من دول العالم يتدخل ليعيد الأشياء إلى أصولها وجذورها الفكرية وليذكر بفلسفة القيم ومضامينها وليمهد السبيل نحو تشريعات ضامنة لحقوق الإنسان وحرياته، يتدخل ليعيد موضعة العقل البشري والنهج الإنساني إلى جادة الطريق كلما وجد شوائب طالت المبادئ الدستورية الثابتة والأصيلة والتي دفعت البشرية ثمنا لها عقودا من الزمان، وذلك ما فعله المشرع الدستوري الأردني عندما أعاد الأشياء إلى أصولها ورسخ مفهوم العودة لجوهر القيم وجذورها، عندما أكدّ في المادة (128) على أن القوانين التي تصدر يتوجب أن لا تمس جوهر الحقوق أو أساسياتها، وهو نص نوعي، قلّ نظيره في الدساتير المقارنة، سعى من خلاله المشرع عام 2011م إلى أن يكون هاديًا ومرشدًا وملهمًا وصولًا لرؤية واضحة المعالم والسُبل.

المقال السابق للكاتبة 

تجريم ظاهرة البلطجة

للمزيد من مقالات الكاتبة انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock